لا يحتاج المواطن المغربي اليوم إلى دروس إضافية في "الترشيد السياسي"، فقد تبرّع محمد أوزين، الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، بإلقاء محاضرة مجانية في الأخلاق العمومية، معززًا بشهادة حسن سلوك من… نفس السيارة المتهمة.
القصة بدأت بصورة عابرة، لكنها كانت كافية لإشعال نار التعليق الشعبي: السيد النائب، بصفته البرلمانية، يشق طريقه إلى نشاط حزبي على متن سيارة الدولة، وكأن الدولة باتت شركة كراء معدات حزبية، والسيادة الشعبية مجرد توقيع على فاتورة البنزين.
لكن أوزين لم يُنكر، لم يختبئ، بل خرج بخطاب لا تنقصه الطمأنينة، وكأننا أمام مانديلا مغربي يعيد تعريف المسؤولية، ويجود علينا بمفاهيم جديدة: "الاستعمال المشترك"، "التقشف المؤسساتي"، "الترشيد العاطفي للموارد". ثم ختمها بالقول: "لا أحتاج إلى سيارتين من جيوب المغاربة"… وهذه، في عرفه، قمة الوطنية، وقاع المحاسبة.
هكذا يتحول النقاش حول المال العام إلى مرافعة باسم الترشيد، فنحن أمام نوع نادر من "الجدل المغربي"، حيث تذوب الحدود بين القانون والسياسة، بين المصلحة العامة والمصلحة الحزبية، بين صفة النائب والزعيم.
في البلدان التي تُقدّس الفاصلة بين المؤسسات، مثل ألمانيا، يتم التحقيق في استخدام هاتف العمل لرسالة خاصة. وفي كندا، يُمنع على الوزير استعمال سائق الوزارة لاصطحاب أطفاله إلى المدرسة. أما عندنا، فالمسألة مرنة، والدستور "يتأول"، والقانون "يتفهم"، والناخب "يتسامح ما دام معتادًا على الدفع دائمًا".
ماذا لو كان أوزين في بريطانيا؟
لو كان أوزين نائبًا في مجلس العموم البريطاني، واستُعملت سيارة حكومية لحضور نشاط حزبي، لقامت لجنة الأخلاقيات البرلمانية في اليوم نفسه بإصدار بلاغ، وبدأت الصحف الحزينة – أقصد الجادة – في فتح ملفات المخصصات، وربما قدّمت استقالته قبل أن يصل المنزل.
في بريطانيا، الدمج بين الصفتين ممنوع، لا بفتوى سياسية، بل بمنظومة قانونية لا تعترف بـ"النية الحسنة" في الإنفاق العام.
في الديمقراطية: لا عذر مع الموارد المشتركة
أوزين قد يكون مؤمنًا بترشيد الإنفاق، لكن القانون لا يحاسب النوايا، بل الأفعال. فالسؤال ليس: "هل السيارة كثيرة على زعيم حزب؟" بل: "هل تم استعمال المال العام في غرض حزبي خارج التفويض البرلماني؟" وإن كان الجواب نعم، فكل ما بعده هو ترف بلاغي لا يُقنع محكمة ولا يحمي مبدأ فصل السلطات.
ثم، وبصراحة، ألم يكن من الأجدر أن يطالب حزبه بسيارة عبر دعم حزبي مُعلن، بدل أن "يتقشف" على طريقة الهواة؟ هل أصبحت المسؤولية الحزبية امتدادًا آليًا للصفة البرلمانية؟ وهل الدولة مؤسسة تأجير موارد حسب المزاج السياسي؟
وماذا عن "اليقظة" التي أشاد بها أوزين؟
تحية للمواطن "اليقظ" الذي التقط الصورة، لكنه – ويا للمفارقة – لن يملك الحق في معرفة سجل استعمال تلك السيارة، أو عدد الرحلات التي قطعتها في مهام غير برلمانية. المواطن يقظ، نعم، لكنه بلا مخالب مؤسساتية ولا مخارج قانونية للرقابة.
فاليقظة في هذه الحالة ليست إلا فلكلورًا ديمقراطيًا، تُرفع له القبعة ثم يُقصى عن قاعة الاجتماعات.
السيارة ليست الموضوع… بل طريقة القيادة
لسنا غاضبين من سيارة، بل من خطاب يروّض القانون بالبلاغة. نحن أمام مشكلة بنيوية: غياب فصل حقيقي بين الصفة البرلمانية والمسؤولية الحزبية، وفوضى في استعمال الرمزية السياسية لتبرير التحايل الإداري.
فإذا كان المسؤول "الترشيدي" يدمج بين المركبة البرلمانية والحضور الحزبي، فهل يمكنه أيضًا استعمال مقر البرلمان لعقد اجتماعات الأمانة العامة؟
أو توظيف موظفي المجلس لتسيير الحملات الانتخابية؟ ألا تصبح الديمقراطية في هذه الحالة دراجة بثلاث عجلات: واحدة قانونية، وأخرى حزبية، والثالثة في يد الميكانيكي؟


Boostaro is a modern men’s wellness boostaro formula created to support daily vitality, stamina, and confidence through a practical, natural routine.