في لحظةٍ وطنيةٍ عزيزة على قلوب المغاربة، تعود ذكرى عيد العرش المجيد كل عام لتذكّرنا بما يجمعنا كأمة، وبما يختزنه هذا الموعد الرمزي من دلالات تاريخية ودستورية عميقة.
ومع كل عودة، يُفترض أن نستحضر معاني الوفاء للوطن، وقيم الالتزام بالمسؤولية والشفافية في التدبير، على خطى الملك محمد السادس، الذي ما فتئ يربط بين الوطنية الحقة ومردودية الفعل العمومي، وبين الولاء الحقيقي والعمل الجاد لخدمة المواطن.
لكن المؤسف أن بعض الجماعات الترابية لم تفهم بعد هذا التوجه، بل ما زالت تتعامل مع ذكرى عيد العرش كموسم لتبرير النفقات المشبوهة، و"الدوباج المالي" عبر آلية طلبات السندات.
إن ما يبعث على القلق ليس الاحتفال في حد ذاته، فالمغاربة بطبعهم شعب يحب الفرح والرمز والبهجة، بل الخطر الحقيقي يكمن في الكيفية التي تُدار بها هذه الاحتفالات، حيث تتحول إلى منصاتٍ للتمويه المالي، وتُفرَّغ من بعدها الرمزي الوطني، ليتم استغلالها كغطاءٍ لتمرير فواتير مبالغ فيها، وأحياناً مفبركة، تحت ذريعة "تخليد ذكرى عيد العرش".
ولأن آلية "طلبات السندات" تسمح بتجاوز مساطر الصفقات العمومية، وتمنح رؤساء الجماعات هامشاً كبيراً من الحرية في تحديد المزودين والمبالغ دون إخضاعها للشفافية والمنافسة، فقد أصبحت وسيلة مفضلة لبعض مسؤولي الشأن المحلي لتصفية الحسابات المالية أو استرضاء شبكات الزبونية والولاءات الانتخابية.
منصات غنائية هجينة، تُنصب في أحياء تعاني العوز، وأصوات صاخبة تُدوّي في فضاءات لم تعرف مسرحاً قط، وفواتير تُنفخ لتشمل تجهيزات وخدمات وهمية، وكل ذلك باسم "عيد العرش"، فيما يغيب المحتوى الثقافي الحقيقي، وتغيب الندوات، والأنشطة التربوية، والتأملات الفكرية في مسار المؤسسة الملكية، وفي مشروع الدولة الاجتماعية الذي يؤطر عهد الملك محمد السادس.
في زمنٍ مضى، كان لعيد العرش طابعٌ بيداغوجي وتكويني، تشارك فيه المدارس بتلامذتها وأناشيدها، وتنخرط الجمعيات في أنشطة تنموية وثقافية، وتُنتج بالمناسبة عروض درامية، وأغاني وطنية ذات رسالة. أما اليوم، فقد أصبح "عيد العرش" لدى بعض الجماعات مجرد موسم للتسويق السياسي الرخيص، وللتلاعب بالمال العام باسم الوطنية.
ومن الغريب أن هذا الانحراف يحدث في الوقت الذي اختار فيه الملك محمد السادس أن يجعل من ذكرى العرش لحظة تقييم للمسار التنموي، ومنصة للإعلان عن مشاريع وإصلاحات كبرى، تبدأ من محاربة الفقر وتنتهي بتقوية العدالة المجالية. كيف يُعقل أن يُرفع خطاب العرش في الرباط، ويُرد عليه في جماعة ترابية بـ"حفلة راي" أو "عرض تنكري" ممول من المال العام؟
الأدهى من ذلك أن هذه الممارسات تُرتكب تحت غطاء الولاء، وهي في حقيقتها إساءة صريحة للمؤسسة الملكية، لأنها تسطّح معنى البيعة وتجعلها رهينة لمنطق "الفرجة" بدل المسؤولية. أيّ ولاء هذا الذي يُعبّر عنه عبر سندات طلب منفلتة، وفقر مدقع في مضمون الاحتفال؟
إن أكبر خيانة للعرش ليست في اختلاف الرأي، بل في تجويف رمز وطني بهذه القيمة، وتحويله إلى فرصة للاسترزاق السياسي والإثراء غير المشروع. وقد آن الأوان لوزارة الداخلية والمجالس الجهوية للحسابات أن تضع حدًّا لهذا العبث، من خلال تتبّع مصاريف الجماعات في المناسبات الوطنية، وتدقيق فواتيرها، ومساءلة رؤسائها عن مدى احترامهم لمقتضيات الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ولا بد أن نُذكّر هنا بأن الملك نفسه، ومنذ السنوات الأولى لتوليه العرش، عبّر عن رفضه الصريح لمظاهر التبذير، وللاحتفالات المبالغ فيها باسم "الولاء". بل إن خطبه المتتالية كانت دعوة إلى القطع مع تلك الصور البالية التي تربط بين الوطنية والبهرجة. الملك اليوم لا يريد مظاهر، بل نتائج. لا يريد مدائح، بل سياسات اجتماعية جادة.
فما الذي يدفع بعض المسؤولين المحليين للاستمرار في هذا النهج؟ أهو غياب الوعي السياسي؟ أم جشع انتخابي؟ أم انعدام الرؤية الثقافية؟ ربما كل ذلك معاً. لكن المؤكد أن الاستمرار في تحويل عيد العرش إلى "فخ سندات الطلب" هو إهانة مقنّعة للذكاء الجماعي للمغاربة، واستهانة بقيمة مؤسسة لا تزال تحظى بالإجماع الوطني.
إن تخليد عيد العرش يجب أن يكون لحظة تُجدد فيها الجماعات تعاقدها مع المواطنين، عبر الكشف عن منجزاتها، وتقديم الحساب، وتسطير المشاريع المقبلة. أما أن يُختزل التخليد في نصب خيام، واستقدام "فنانات المنصات"، وتزيين الشوارع على عجل، فذلك استهتار بروح المناسبة، وإساءة إلى صورة البلد.
لقد استطاع المغرب، في عهد محمد السادس، أن يُراكم إنجازاتٍ معتبرة في قطاعات البنية التحتية، والطاقة، والعدالة الاجتماعية، والنهوض بالعالم القروي. فهل من المعقول أن تختزل جماعة ترابية هذا الزخم في فقاعات احتفالية لا تنتج معنى؟ أين هي الحكامة؟ أين هي الوطنية التي نتغنى بها في النشيد الوطني؟
إن الوطني الحقيقي، اليوم، هو من يرفض هذا العبث، ويناضل من أجل ترشيد المال العام، ويقترح بدائل احتفالية تجمع بين الرمزية والجدوى. الوطني هو من يُخلّد العرش بإطلاق مشاريع تعليمية أو صحية، لا بإحياء سهرات لا يحضرها إلا المقربون والمحظوظون.
عيد العرش ليس مناسبة لتبرير الصفقات الصغيرة، بل لحظة لتكريس الدولة الكبيرة. والوفاء للملك لا يُقاس بعدد منصات الغناء، بل بمستوى احترام ذكاء المواطنين.
وفي الأخير، وجب أن نعيد طرح السؤال بصوت عالٍ: بأي حالٍ عدتَ يا عيد العرش؟ وهل تستحق هذه الذكرى أن تُغتال مرّتين: مرة بالتبذير، ومرة بالسطحية؟
ربما آن الأوان لنعلن – باسم الوطن – القطيعة مع هذا الأسلوب الفج في الاحتفاء، ولننحاز لجوهر العرش: المسؤولية، الحكامة، والكرامة المواطنة.


تعليقات
1