في ذروة السُّبات الإداري لصيف 2025، وبينما كانت هيئة التفتيش تستعدّ لانطلاق موسم دراسي محفوف بالتحديات، فاجأت الوزارة الجميع بمذكرة نازلة من برجها العاجي، لا تقلُّ عبثًا عن كرنفالات الوزير برادة تحت قبة البرلمان.
مذكرة مؤرخة في 6 غشت 2025، تطلب من المفتشين دون تحديد الفئة... فهناك مفتشات ومفتشو التخطيط، والتوجيه، والتربية، والمالية، وغيرهم ... المهم ... كلفوا بمهمة استثنائية "التأكّد من تثبيت الأذرع الحاملة لأجهزة العرض (Data Show)".
شوف خويا برادة…
لا أعرف سن من أصدر هذه المذكرة التي تعكس أعراض خرف مهني إداري حاد.. أو جهلا بنيويا بدور التفتيش... أو جهلا بمنهاج مدرسة الريادة... لأن مدرسة الريادة ترتكز أساسا على المسلاط... وكل مفتش منخرط في التنزيل، لن يقبل غياب هذه العدة ضمن عملية التنزيل، يعني... مذكرة صاحبنا... آوت....لا معنى لها... ربما باغيين فيك الخدمة... باغيين توتر مع هيئة شرسة
يا أحمق... كل مفتش منخرط في تنزيل مدرس" الريادة"... ملزم منهجيا بتنزيل والعمل استثمار اللوجستيك الخاص بها...لا حاجة له لمذكرة من هذا النوع...!فكأنما تطلب من المفتشين التثبت من من وجود ما يجب أن يوجد بقوة الفعل البيداغوجي...
يشبه هذا الأمر العسكري من جنرال تربوي خسر كل الحروب، صيحة تحت قبة الولي سيدي سعد محمد برادة، قدس الله سر حلوته، " أنا.... هنا.... أجتهد... أبتكر بتحويل جهاز التفتيش من آلية تقويم تربوي إلى ورشة فنية لفحص الدعامات المعدنية."
بهذا القرار الغريب، تُرك المفتش جانبًا من دوره المركزي في تجويد التعليم، ليُختزل في وظيفة تقنيّ ميداني يُكلف بمراقبة تماسك البراغي، وصلابة الجدران، واستقامة الذراع الحديدية.
فأين نحن؟ في دولة تدّعي قيادة "التحول الرقمي"؟ أم في مصنع للحدادة والنجارة المعدنية؟
انقلاب وظيفي: من حارس الجودة إلى فاحص الحوامل!
لم يعد المفتش، وفق هذه المذكرة، مسؤولًا عن تحليل المنهاج، أو تقويم التعلمات، أو تتبع أثر الإصلاحات، بل صار مكلفًا بفحص زاوية ميل الحامل الحديدي، وتحرير تقرير تقني عن هشاشة الحائط، بل وربما اقتراح إحالة مدير المؤسسة على المجلس التأديبي في حال "إخلاله بمهام التثبيت".
حين يُختزل التفتيش في بُعد أحادي...
لو تبنّت الوزارة التصوّر الحقيقي لوظيفة التفتيش، لما احتجنا إلى مثل هذه المذكرة.
لقد تمّ اختزال مهمة المفتش في رقابة الأستاذ داخل القسم، وكأنّ المدرسة مؤسسة أحادية البعد.
وهذه هي اللعبة الكبرى التي أنتجت خريطة تفتيش مشوهة، وفرضت على جهاز التفتيش الانخراط في هندسة بيداغوجية مبتورة من بعدها المؤسسي.
في الحقيقة، دور المفتش هو مراقبة وتقييم الفعل التربوي في شموليته: من أداء المدرسين، إلى حكامة الإدارة، إلى نجاعة التجهيزات، إلى المناخ المدرسي، إلى التخطيط التربوي، إلى مؤشرات التوجيه، إلى جودة الخدمات.
بمعنى آخر: المؤسسة بكل مكوناتها هي مجال اشتغال المفتش، لا المسلاط وحده.
رقمنة مغشوشة: برغي بدل رؤية
هل هذه هي الرقمنة التي وعدت بها الوزارة؟
هل بلغ الهزال حدّ اعتبار تثبيت "Data Show" إنجازًا رقميا؟
التحول الرقمي لا يعني تركيب جهاز فوق السبورة، بل يعني خلق بيئة تعليمية ذكية، محتوى رقمي هادف، وتكوين جاد في الذكاء الاصطناعي التربوي.
أما الرقمنة القائمة على عُلبة البراغي، فهي رقمنة بلا رؤية.
المفتش ليس "عين الإدارة في البرغي"
نقولها بوضوح:
المفتش ليس موظف صيانة.
وليس تقني تثبيت.
وليس عين الإدارة في البرغي والمسلّاط...بل هو المفكر التربوي، المؤطر الفعلي، صمّام الأمان للمدرسة العمومية، وصوت النقد في وجه العبث الإداري.
إذلاله، تقزيمه، استعماله ككومبارس في مسرحية الرداءة، هو نحرٌ لهيبة المدرسة العمومية من الوريد إلى الوريد.
سيداتي وسادتي في المركز...
إذا كانت أولويات المرحلة لديكم هي "تثبيت أذرع Data Show"، فنقترح أن تُحدِثوا في مركز تكوين المفتشين شعبة جديدة:
"مصوغة الحدادة والصباغة والتثبيت المعدني المتقدم".
أما المفتشون الشرفاء، فسيظلون، رغم أنف براغي الوزارة، حماةً للمدرسة العمومية، ومدافعين عن بيداغوجيا راقية، ومؤمنين بمكانتهم الطبيعية بين الرؤية والفكرة، لا بين المسلاط والسبورة؟
كن يصرف حقدا دفينا على هذه الهيئة بمذكرات الإذلال..؟ بان عليك لامان...


تعليقات
86