تتمرّغ الإنسانيّة في وحل الدناءة...كلّ يومٍ، تنحر غزّة كبرياءَ العقل، وتفضحُ جبنَ الوعي العربي،وتعرّي عفنَ الحبر العربي...الإبادة ليست خبراً عابراً، الإبادةُ قلبُ طفلةٍ توقّف تحت ركام المدرسة...
أنينُ رضيعٍ يختنق في حضن أمّه الميتة،
رائحةُ لحمٍ بشريّ يختلط بغبار الإسمنت،
دموعُ رجلٍ يلمّ أطراف زوجته الممزّقة،
وصوتُ جدارٍ ينهار على القصص التي لم تُروَ بعد.
الإبادة أن تتحوّل الدفاتر إلى أكفان،
والطبشورةُ إلى شظيّةٍ قرمزيّة،
والسبّورةُ إلى شاهد قبرٍ بلا اسم،
أن تُدفن الأحلام مع الألعاب المكسورة،
والحصان الخشبي بعينٍ زجاجية وحيدة،
والدمية التي فقدت ذراعها قبل أن تفقد صاحبتها.
الإبادةُ عصفورٌ يذبل على نافذة بيتٍ لم يعد موجوداً،
طفلٌ يُتيتَّم من الهواء قبل أن يُتيتَّم من الأم،
جدّةٌ تضيع حكايتها عن زيتونةٍ
كانت تُظلّل الفناء وتطعم القرية.
المستشفياتُ تُقصف،
الجدران تتهاوى على المرضى والجرحى،
الأرض تنزف دماءً تبحث عن بحرٍ لتغتسل فيه،
الغبار الأحمر يختلط بأنينٍ يثقب السماء
ثم يخفت...
العجزة والشيوخ والمعاقون يُقتلون،
الأشجار تُقتلع كما تُقتلع الأرواح،
السماء تُسرق كما تُسرق الذكريات،
النَفَسُ نفسهُ يصبح امتيازاً لا حقّاً.
الإبادة أن تنظر إلى العالم من فوق الركام،
فتراه مشغولاً بمؤتمراتٍ وموائدَ وأقنعة،
بينما الجثث تتحلّل في الأزقّة،
والأسماء تتحوّل إلى أرقامٍ على لوائح الموت،
وأحلامُ الأطفال تُرمى في أكياس النفايات.
ثم يطير الموت الأعمى المتغطرس إلى طهران،
ليختطف هنيّة،
وفي غزّة يختطف أحضان الأمهات،
ويلهو بضحكات الأطفال المذبوحة.
أباسم الاختلاف نلوذ بجدار الصمت؟
أتمنعنا لحية "حماس" من الانتصار للحق والعدل والقيم الإنسانيّة؟
أيسكتنا السجود عن إدانة الجنون؟
أم لأننا حداثيّون حتى الثمالة،
نسكر حتى الفجر، فلا ندين ولا نكتب ولا نشجب؟
أم لأننا نكره الصومعة والأذان ومشروع حماس الإسلامي.
نخبّئ جبننا وراء بغضٍ معلن وصمتٍ فاضح؟
أم لأننا يساريّون أكثر من مُعلّمينا الأوائل،
فنصمت حيث اليسار الغربي قد دان ولم يسكت؟
إن لم يخرج الشاعر الآن من ظل ولاءاته،
وينتصر للحق والعدالة مهما تغيّر لونُ وجهيهما،
فمتى يخرج؟
متى يكون الشعر شعراً إن لم يكن هذا زمن الشعر؟
ومتى تتوّج الرواية ملكةً للكتابة إن لم تنبض قلباً للوجع الغزّاوي؟
انتهى زمن التنظير والتدوير،
قولوا شيئاً يليق بهذا الزمن،
مزّقوا تذاكر السفر،
اتركوا فنادق الخمس نجوم وغنج الموائد،
خذوا فنجان قهوة، واكتبوا...
اكتبوا شعراً يليق بالوجع العربي،
لا شعراً يرضى عنه وهم اللجان العربيّة،
نصوصاً تليق بالجراح،
لا نصوصاً يباركها اللصوص.
إن عجز الخيال، فاصمتوا...
لكن لا تكونوا مع الجلاد،
ولا ترفعوا لواء القاتل،
وتحرّروا من قيد الغنيمة...
لقد حان أن تستعيدوا حريتكم،
ليعود الشعر للإنسان،
وتعود الرواية للإنسان،
ويعود المفكّر إلى الإنسان،
ويعود المسرح إلى الإنسان...
ابتعدوا عن حكّام الأوهام،
واعلموا أن شراء الذمم بالمال والمناصب المموّهة بالثقافة
كان – وما زال – استراتيجية ناجحة لترويض القلم والعقل،
وتوجيه بوصلة الفكر حيث يشتهي أولياء النعمة...
كثيرون يبرّرون صمتهم بالأيديولوجيا،
لكن الحقيقة أن أكثرهم باع روحه للشيطان،
وفقد حرية الإرادة والموقف والتعبير.
الحق والعدل لا لون لهما،
هما بديهيان كالهواء،
غريزيّان كإرادة البقاء،
أقدم من السياسة والأحزاب والتحالفات.
النور لا يُضاهيه ذهب ولا فضّة،
ولا بريق دروع الأكاديميا والأدب،
وكل شيء زائل،
إن أغمض القلم عينه عن الجرح الإنساني
مقابل التفاتةٍ عابرة.
ما يجري في غزّة
كشف ورطة المثقف العربي،
الذي صار جزءاً من مشروع ثقافي موازٍ للسياسة الشرق أوسطيّة،
مكبّلاً بولاء المال والمنصب والمنصّة والسفر...
الميّت إنسان،
والمقهور إنسان،
والقتيل إنسان،
سمّه شهيداً أو سمّه قتيلاً،
لكن قل: "اغتيل رجل مظلوم"،
"قُتل رضيع نائم"،
"قُتلت عجوز"،
"قُتل شيخ وهو يحكي حكاية زيتونة ظلّلت فناء القرية
المُرحّل منذ 1948 إنسان،
قبل الفكر، وقبل الأحزاب، وقبل هلوسات زمن الكلب.
قولوا الحقيقة مهما كانت قاسية،
فقوى إقليمية استثمرت في الثقافة والفن،
واشترت القلم العربي،
وما زالت الخريطة المزيفة تتمدّد،
حتى صار كل شيء قابلاً للبيع:
الخيال، والشعر، والسرد،
بل وحتى النضال باسم العرق والثقافة،
وحتى التفلسف،
ومقاطعة الجثث التي تؤرّق من باعوا أرواحهم للشيطان.
هذا هو زمن الكلب....
واليوم يحاولون نزع سلاح المقاومة اللبنانية باسم احتكار الدولة للسلاح...
مصيبة ما يقع الآن لنزع سلاح الصمود بوعود الخزي والعار؟ ومن وراءه عربيا وغربيا...أنظمة تصنع النار والعار، لتلعب دور الوساطة أو إعادة الإعمار...
ومن يريدون خصي المقاومة في غزة ولبنان بمصطلحات بباقة.... هل نسيتم ما وقع بعد أوسلو...؟
لا نثق فيكم ... هذا موقفنا...


تعليقات
1