الحكومة اليوم لا تحتاج إلى معارضة، فهي بارعة في معارضة نفسها. كلما نطق وزير بأرقام، جاء وزير آخر ليكذبها، ثم يظهر إحصاء وطني بإشراف وزارة الداخلية ليحوّل المشهد إلى ما يشبه عرضا بهلوانيا: قطيع يتبخر في فبراير ويظهر مضاعفا في غشت.
إذا صدقنا هذه الحكاية، فعلينا أن نصدق أيضا أن الأغنام المغربية اكتشفت سر الاستنساخ، أو أنها تعيش تحت رعاية مشروع نووي سرّي يجعلها تتكاثر بسرعة الضوء.
لكن خلف المهزلة الحارقة تكمن المأساة. الدعم العمومي، الذي يفترض أن يكون شبكة أمان للمربين الصغار، تحول إلى شبكة صيد للمستفيدين الكبار.
إنها قصة "الرفاقشية" نفسها التي فضحها الأمين العام لحزب الاستقلال: حين تُصاغ الأرقام على مقاس المصالح، يتحول المال العام إلى غنيمة حزبية، وتصبح الإحصاءات مجرد واجهة لتوزيع الريع.
المثير للسخرية أن من يجلد الحكومة اليوم ليس خصومها التقليديون، بل حزب الاستقلال، أحد أعمدتها. جريدة العلم خصصت افتتاحيتها لتسائل شركاءها في الأغلبية: كيف يمكن لحكومة واحدة أن تقدم ثلاث روايات لقطيع واحد؟ هل نحن أمام ثلاث حكومات في ثوب واحد، أم أن التسيير أصبح مجرد دفتر هزلي يكتب فيه كل طرف ما يشاء؟
الوضع لم يعد يحتمل ترقيع الأرقام أو تجميل البلاغات. القضية لم تعد مسألة أغنام وماعز، بل مسألة مصداقية الدولة نفسها. وعندما يفقد المواطن ثقته في أبسط المعطيات الرسمية، فما الذي يتبقى؟ إذا كان القطيع يُضاعَف في الأوراق، فهل نلوم الناس إن شككوا غدا في نسب النمو أو أرقام البطالة أو حتى نتائج الانتخابات؟
إن ما يجري ليس سوء تدبير فقط، بل فضيحة سياسية بامتياز. ولهذا فإن الحل لم يعد عند وزير الفلاحة ولا عند رئيس الحكومة، بل عند وزارة الداخلية التي أنجزت الإحصاء الأخير.
هنا تبرز الحاجة إلى أن يتدخل عبد الوافي لفتيت لينتزع الملف من يد عزيز أخنوش، وفق التعليمات الملكي طة، ليس فقط لتصحيح الأرقام، بل لوضع حد لثقافة الاستهتار التي تحوّل المال العام إلى ريع مغلف بشعارات التنمية.
الحكومة التي تفشل في إحصاء قطيع، كيف ستقنعنا أنها قادرة على قيادة أمة؟ والسؤال الأخطر: إذا كان القطيع في الأوراق يتضاعف بهذه السرعة، فكم مرة تضاعف القطيع الحقيقي من الأتباع والمستفيدين من ريع السلطة؟

