جريدة تمغربيت|24 ساعة

أعراض الفصام السياسي على البام: دعوة غريبة لمحاربة العزوف الانتخابي

PAM-10-1

في الواقع السياسي المغربي الراهن، يطل حزب الأصالة والمعاصرة بحلة مألوفة، بخطاب فصامي، كمن يشعل النار ويتهم الإطفائي بسوء العمل.

يتباهى البام ببيان رنان عن "الإصلاح" و"بناء أحزاب قوية"، وهو الحزب الذي يحمل حقيبة مثقلة بالأزمات التي تعكس تناقضات لا تخفى على أحد، فلم يعد خافيا على أحد أن البام الذي وقع بلاغا فصاميا، يدعو إلى تحديث منظومة الانتخابات وتعزيز نزاهتها،يجر وراءه مشكلات فساد واسعة تنخر جسده، من الجذور وحتى الفروع، الإصلاح كما يبدو لديه سياسة نصفها كلام ونصفها فساد بعض نخبه المستشري،

في هذا السياق لا بد من الاعتراف بأمرين بوضوح، الأول، أن الحديث عن الإصلاح الانتخابي مشروع ومطلوب في أي نظام ديمقراطي يسعى للشفافية والمصداقية، أما الثاني، فأن يكون هذا الحديث مقترنا بوجود حقائق صادمة عن تورط الفاعل السياسي والحزبي والمنتخب وأعضاء في القيادة ذاتها في قضايا فساد، فهذا يجعل الشعارات الكثيرة تفقد معناها وقوتها، ويحوّلها إلى ما يشبه الاستهزاء بذكاء المغاربة.

وجدير بالذكر أن حزب الأصالة والمعاصرة يعد من بين الأحزاب التي حاولت فرض نفسها لاعبا مركزيا في الساحة السياسية، مستندا إلى خطاب متين يسوق نفسه كحامل لواء الإصلاح والنزاهة، والأصالة والحداثة في مواجهة صعود الإسلاميين، لكن  الواقع الذي عرته التحقيقات القضائية والتقارير الصحفية، كشف صورة مغايرة تماما، تناسل ملفات فساد متراكمة تشمل الاتجار الدولي في المخدرات، تبييض الأموال بطرق معقدة ومشبوهة، تزوير الوثائق الرسمية، وحتى اختلاس المال العام.

 

ويذكر أن بعض النواب البرلمانيين السابقين وأعضاء الحزب يحاكمون أمام القضاء بتهم بالفساد، وهو من شأنه أن يجعل المزاعم الإصلاحية مجرد دخان يحجب الحقيقة،

 

هل يمكن لمن تلوثت أيديهم في أوحال الفساد أن يقودوا حملة نقية للإصلاح؟

هذه هي واحدة من الأسئلة التي تشغل بال خبراء الشؤون السياسية وعموم النخب المدنية، ومن المثير للاستهجان أن الحزب الذي يجب أن يكون مثالا في تطبيق مبادئ الشفافية والنزاهة، يزايد في الخطابات حول هذه القيم، بينما أدبياته الحقيقية في دهاليز مستنقع الفساد، تفضح الأيام والفضائح المتكررة.

وفي هذا الصدد يأتي السؤال الأكثر وضوحا كيف ينسج الحزب دعواته إلى محاربة العزوف الانتخابي وهو يعيش مأزقا من نوع آخر من هذا العزوف، ألا وهو عزوف المواطنين بسبب فقدان الثقة في قادتهم ومرشحيهم، والسبب الجوهري في ذلك بلا شك هو الفساد الذي يتغلغل في النخبة السياسية نفسها؟

عزوف الجماهير ليس ناتجا عن فراغ، بل هو رد فعل طبيعي على رؤيتها لأنفسها تغرق في دوامة من الفساد، هنا يختفي خطاب الإصلاح ليحل محله غطاء إعلامي لا أكثر،

السخرية في المشهد السياسي تشتد أكثر عندما نشاهد الحزب يتحدث عن "كلفة العزوف الانتخابي"، وكأن هذه الكلفة مفاجئة، في حين أن الواقع يصرخ بأن جزءا كبيرا من جذور هذه المشكلة هو فساد نفس الأطر السياسية الذي ينتمي إليه الحزب نفسه...

كيف نطلب الثقة من الشعب، في حين أن الحزب نفسه يتابع بعض أعضائه قضائيًا؟ كيف للتصويت أن يعبر عن كلمة شعبية صادقة عندما يكون ممثلوه تحت ظلال التحقيقات القضائية؟ إن هذا هو تناقض لا يسهل تجاوزه ولا مبرر له،

وجدير بالذكر وحسب البيانات الرسمية، فإن أرقاما مرعبة تظهر أن 55 نائبا برلمانيا في الولاية التشريعية الحالية متابعون قضائيا أو أدينوا في قضايا فساد، ناهيك عن إحصاء رؤساء  وأعضاء الجماعات الترابية...هذا الرقم لا يمكن أن يستهان به ولا أن يتجاهل، هذه الحقيقة تزيد من انحدار ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، وتغذي الروح السلبية التي تعزز من عزوفه عن المشاركة في الشأن العام.

 الفساد هو السبب الأبرز للعزوف وليس العكس، هذا يفرض على صناع القرار ضرورة تبني جهود جذرية لاستئصال هذه الأزمات وإلا فإن النظام السياسي برمته سيظل مهددًا،

 

يظل حس الأزمة السياسية في العلاقة بين خطاب الحزب وواقع أعضائه نقمة على كل من يتابع المشهد السياسي المغربي، فبدلا من أن يركز الحزب جهوده النقد الذاتي وعلى إصلاح ذاته ومحاربة الفساد داخل منظومته، يشاهد المتابعون تناقضا صارخا بين ما يقال في المؤتمرات والنقاشات وما يحدث على الأرض من فضائح وتجاوزات.

حزب الأصالة والمعاصرة مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن يكتب نهاية حقيقية لهذا الفصل الأسود من تاريخه الداخلي، وأن يثبت بمواقف وأفعال لا بأقوال فقط، أنه مستعد لإطلاق صافرة البداية نحو إصلاح حقيقي وشفاف،

وفي هذا السياق يرى محللون سياسيون أنه إذا بقي الحزب محكوما بخطابه الفصامي، واغراقه الداخلي في الفساد، فلن يكون إلا نسخا أخرى من تجربة حزبية مقطوعة عن المواطن وموثوقيته، يؤكدها تراجع حاد في ثقته، وازدياد في الفجوة بينه وبين الطبقة السياسية، في هذه الحالة، سيبقى الحديث عن الإصلاح هو مجرد غطاء لكسب الوقت، أو تغطية على  الانتحار السياسي والتفكك الجماهيري الاجتماعي،

 اليوم المغرب بحاجة إلى أكثر من شعارات، بل هو بحاجة إلى الالتزام الصارم بمعايير حزبية واضحة وقوية للترشح، مع مساءلة حقيقية دائمة، وإرادة حقيقية للنزاهة، وهذا يتطلب من الحزب أن يضحي بمصالح بعض أعضائه الذين استثمروا الفساد كوسيلة للنجاة أو التقدم داخل هيئته.

هذا هو الثمن الحقيقي الذي عليه دفعه إن كان يريد أن يظل فاعلًا ومنتجًا في السياسة المغربية، وإلا فسينحدر إلى خانة الأحزاب التي تخلت عن شعاراتها وتحولت إلى ورقة تضييع في يد الفساد،

 يتحمل حزب الأصالة والمعاصرة مسؤولية كبيرة تجاه مسيرته السياسية ومكانته أمام الرأي العام، عليه أن يختار بجدية، إما أن يثبت صدقه ويخوض معركة إصلاح داخلي جاد لا مساومة فيها، أو يظل حبيس خطاب ظاهر بلا مضمون، يدفع المواطنون ثمن تناقضاته بارتفاع معدلات العزوف وغياب الثقة، ويخسر بذلك الكثير من فرصه وأجندته السياسية، ملعب القرار اليوم في يد الحزب، والكرة في ملعبه ليُبدي الجدية ويؤمن بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل، وليس من خلال تصريحات خَوَاء ومحاولات تلميع وصور زائفة،

بهذا، يختزل واقع حزب الأصالة والمعاصرة صراعا مستمرا بين الحرص على الحفاظ على واجهة سياسية إصلاحية في العلن، وبين استمرار الفساد والتجاوزات التي تهدم تلك الصورة في الخفاء، ليظل الصوت السياسي المغربي محكوما بهذه الحقيقة المرة، ويبحث عن حل وسط بين تطلعات شعوب عريضة تنتظر تغييرا حقيقيا، وبين من يحاول تكييف الواقع ليبدو مقبولا على مضض.

في هذه المشهد السياسي الغريب، يظل سؤال الإصلاح الداخلي مشروعا، فهل سينتصر الإصلاح الحقيقي، أم ستتغلب مصالح ضيقة مرتبطة بالناخب الثري، والتناقضات الداخلية على كل الشعارات؟ الزمن وحده كفيل بالإجابة، فإن صح أن حزب البام يقوم بعملية تطهير لمنظومته الانتخابية، فالمحك قريب.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة تمغربيت