جريدة تمغربيت|24 ساعة

حزب الاستقلال: خرجة أخرى بغطاء اقتصادي ضد أخنوش

WhatsApp-Image-2024-10-23-at-09.17.41-scaled
لم يعد غريبا أن يصدر حزب الاستقلال عبر أذرعه التنظيمية مذكرات نقدية للحكومة حتى وهو جزء اساسي منها. فالحزب الذي يعتبر نفسه أب السياسة المغربية يهوى الجمع بين كل الأدوار: أن يكون في الاغلبية ويستفيد من دفء الكراسي الوزارية، وأن يظل في صورة المعارض الغيور على الشعب، وكأنه صوت الضمير الوطني داخل ماكينة السلطة.

ملاحظة ساخرة: يبدو ان الحزب يعشق ان يجلد نفسه باليد اليمنى بينما يصفع الحكومة باليد اليسرى.

مذكرة رابطة الاقتصاديين الاستقلاليين الأخيرة ليست سوى حلقة جديدة من هذا المسلسل الطويل: نقد لغلاء المعيشة، تنديد باوضاع الطبقة الوسطى، ثم باقة من الاقتراحات التي تفيض رومانسية سياسية: رفع الضرائب هنا، تشجيع الادخار هناك، إعادة تشكيل القطيع، بناء طرق وسدود ومدارس…

وكأن الحكومة مجرد تلميذ كسول عند الاستقلاليين المشاركين في الحكومة في قطاعات اجتماعية..الحزب ينتقد الحكومة وكأنه مدرس صارم… لكنه ايضا يضع علامة عشرين على نفسه في كل اختبار.

 

 وفي هذا السياق فالمفارقة الغريبة أن الحزب نفسه، عبر وزرائه، يشكل جزء من نفس الحكومة التي تطبق السياسات المنتقدة. هنا تتجلى الغرائبية السياسية: إنهم يوزعون الملاحظات كما لو كانوا مراقبين مستقلين، بينما هم في الحقيقة شركاء في المسؤولية، فإذا كانت الحكومة سيارة، فان الاستقلاليون يجلسون في المقعد الأمامي ويصرخون من الخلف أن السائق يقود ببطء.

هذا الازدواج ليس جديدا على حزب الاستقلال. فمنذ فجر الاستقلال، والحزب يمارس لعبة "داخل وخارج" في ان واحد، في الستينيات انسحب من الحكومة ليعود بشروط جديدة، وفي التسعينيات لعب دور المعارض وفي الوقت نفسه تفاوض على التناوب التوافقي وفي العقد الأخير كان في حكومة بنكيران ثم انسحب بحجة إصلاح سياسي ليعود بعدها الى واجهة الأغلبية.الحزب يبدو وكأنه لاعب شطرنج محترف، يحرك كل القطع دون أن يغادر الطاولة.

وكأن الحزب يصر على أن يبقى اللسان المعارض حتى وهو جالس على كرسي الحكم. استراتيجية ذكية للبقاء في صلب المشهد: فهو لا يريد أن يحسب على السلطة بشكل كامل ولا أن يضيع مزايا المشاركة في السلطة، هو يريد أن يشارك في العدو نحو السلطة، لكنه يريد أيضا ان يكون الحكم على المنافسين.

الاستقلاليون في مذكرتهم الأخيرة الاقتصادية جسدوا حالة فريدة: نقد الحكومة بحب. فهم يلومونها لأنها لم تدعم الطبقة الوسطى بما يكفي، لكنهم يقترحون عليها بلهجة العاشق الحنون وصفات سحرية تجعلها أكثر جاذبية: ضرائب محسنة، قطيع أبقار بلمسة تعادلية، تعاونيات بلا ضرائب، انترنت أرخص … كل شيء مرتب بعناية وكأنها رسالة غرام اقتصادي لا تريد أن تفهم خطأ.

 حزب يعشق الحكومة على طريقة يسادي سياسية مفضوحة إن لم نقل فصام سياسي، فهو يجلد الحكومة التي هو جزء منها، ليستلذ بمتعة معارضة مغربية حد الهوس.

 

إنها ليست معارضة بمعنى القطيعة، بل معارضة بمعنى المشاكس الذي لا يطيق الابتعاد عن حبيبته. يوبخها أمام الناس لكنه لا يغادر بيتها أبدا، هكذا يبقى الحزب عالق بين حب السلطة والتملص من المسؤولية ودعدغة مشاعر الشعب.

حزب الاستقلال يواصل إنتاج الصورة ذاتها: حزب يريد أن يكون في الحكومة والمعارضة في الوقت نفسه. ولعل شعاره غير المعلن يصلح ان يكون: "نحكم ولكن نعارض أيضا لنربح الرهانين معا"،  شعار للحياة اليومية للحزب اكثر من كونه شعار سياسي.

ما يزيد من الطرافة أن الشعب المغربي يرى في هذا الحزب طرفا حاكما وناقدا في الوقت نفسه. كل مبادرة حكومية يمكن أن تكون موضع مدح في المذكرات أن نقد حسب مزاج الرابطة الاقتصادية.

المواطن الذي يراقب هذا السلوك قد يشعر بالحيرة والدهشة كيف يمكن لنفس الحزب أن يكون جزءا من الحل وجزءا من النقد في نفس الوقت.

الازدواجية في هذه الحالة ليست مجرد استراتيجية سياسية بل انعكاس لثقافة التوازن في السلطة: الحزب يريد أن يثبت ولاءه للسلطة ووعي الشعب في الوقت نفسه. ولذلك نجد المذكرات مليئة بالاقتراحات العملية والمفصلة: من إعادة تشكيل القطيع الى انترنت أرخص في المناطق القروية، من طرق وسدود ومشاريع تعليمية الى دعم مباشر للفئات الهشة.

كل شيء يقدمه الحزب كحزمة من الحلول التي يبدو أنها اكثر جاذبية للقراء من تطبيقها على أرض الواقع.

 يمكن أن خرجات حزب الاستقلال بجملة واحدة، الحزب يحب أن يكتب الحلول أكثر مما يحب ان ينفذها.

حزب الاستقلال يثبت مرة أخرى أنه يجيد لعبة الانقسام بين المعارضة والمشاركة في الوقت نفسه. نقده للحكومة من داخلها يظهر كيف يمكن للحزب أن يحافظ على صورته كمعارض غيور بينما يظل مستفيدا من مزايا السلطة.

المغاربة لا تنطلي عليهم حيلة الخطاب المزدوج فيهمسون "اذا كان الاستقلاليون في الحكومة ينتقدون الحكومة فمن بقي ليدافع عنها؟" ربما يحتاج المواطن إلى خبراء في الشيزوفرينيا السياسية ليتمكن من متابعة كل هذا التناقض السياسي في الوقت نفسه.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة تمغربيت