با إدريس لشكر... أيها المسافر شوقا مع رياح الزعامة القاتلة...
يا من تحولت مع مرور السنين من قيادي اتحادي إلى ظاهرة سياسية تستحق أن تُدرس في كتب السخرية السوداء..
نكتب إليك لا من باب المحاججة... معاذ الله.... فلا أحد يغلبك في الحجاج والسفسطة اللغوية..
ولا أحاورك من موقع الخصومة الشخصية، بل من موقع الحاجة إلى قول الحقيقة، ولو جاءت جارحة.
لقد اعتاد الاتحاد الاشتراكي أن يكون مدرسة في النقد الذاتي، لسنا اتحاديين، لكن الاتحاد الاشتراكي هو دار القوات الشعبية، وحق لنا أن نتكلم.... فليس الاتحاد الاشتراكي بطاقة انخراط ولا انتداب.... إنه كل هذا المسار الوطني والتاريخي البهي بآماله وجراحه وتحولاته الذي صنع حاضرنا السياسي... بالدم والزنازن والقهر... لهذا لسنا اتحاديين، لكن الاتحاد الاشتراكي ضرورة سياسية... صمام أمان ضد القهر... كان... ولم يعد....
الاتحاد الاشتراكي هو تلك الصورة البهية لعبد الرحيم بوعبيد في قيظ ميسور بقميص رخيص، هو صرخة الأموي... هو الشعر المتمرد عند الأشعري... هو الشعر الغجري العاشق لعيطة خربوشة، هم السياسية والفن والثقافة والرأي وأكاديمية القادة والمناضلات الراقيات... هو الفلسفة والسوسيولوجيا، وباشلار والتراث والصوفية وفلسطين والمروءة... هو كل الذين غابوا وكانوا عرسا حزبيا بلا مزايدة...
هل يليق بك وأنت على رأس هذه المدرسة أن تُغلق أبوابها وتتركها تتحول إلى مسرحية طويلة مملة لا جمهور لها سوى بطانة من الورق؟
لقد مرت ثلاث ولايات من قيادتك، ثلاث ولايات كاملة شغلت فيها المنصة، وأمسكت بالمفاتيح، وأدرت اللعبة كما تشاء...لكنك ما عارضت ولا أنتجت خطابا سياسيا يليق بحزب في المعارضة... الصمت مدين مريب... ماذا وقع؟
لكنك لم تكتف، ولم تقل يوماً: لقد بلغت الغاية وحان الوقت للانسحاب. بل ها أنت اليوم تفكر في ولاية رابعة، كأن الحزب أرض خاصة، وكأن الزعامة حق مؤبّد، وكأن التاريخ لا يحاسب ولا يسجل.
إن ما تفكر فيه ليس مجرد تمديد سياسي عادي، بل هو سابقة خطيرة تهدد ما تبقى من المعنى السياسي داخل الاتحاد الاشتراكي، بل داخل الحياة الحزبية المغربية كلها.
المسألة لم تعد مرتبطة بشخصك وحدك، ولا حتى بالحزب، بل بمشهد سياسي يتأزم كلما تمدد زعيم في كرسيه. أنت تعرف جيداً أن البقاء الطويل لا ينتج إلا بطانة خائفة، وجماعة تكتب المدائح، ونخبة عاجزة عن التجديد. إنك، بتمسكك بالزعامة، تحوّل حزباً تاريخياً كان مدرسة للتضحيات إلى مجرد شبكة من المصالح، يتحرك فيها المنتفعون مثل الدمى، يصفقون لكل قرار، ويهللون لكل إشارة، لأن بقاءهم مرهون ببقائك.
لن ننفي أن في الاتحاد الاشتراكي حاليا مازال مناضلون ومناضلات، غلبتهم الكثرة، والغوغائية السياسية، فركنوا للظل... واختاروا البقاء دون صدام.
صدقني، لم تعد تسمع غير صوتك. هذه أعراض الزعامة المزمنة: تبدأ بتقليص هامش الاختلاف، ثم رفض كل اختلاف، ثم تتحول إلى قهر تنظيمي أو غواية سياسية.
معك، لا ننكر، بقاء وصبر وصمود كثير من المناضلين والمناضلات والاتحاديين والاتحاديات الأقحاح، لكن الزعامة المزمنة تنتج قهراً خفيا أو معلنا وتكتلات مصالحية ترهب الآخر بالقهر الخطابي والمؤامرة... فيختفي الناصح الأمين ويقدم الغانم المريح
الصمت اختاره البعض على مضض، ومن ألف غنيمة الولاء سيبارك كل قرار لك. حتى أن الزعامة المزمنة مرض يقتات حتى من مؤيديه لو تطلب الأمر كبش فداء. لهذا، تحرر من عبء الزعامة، فهي سم قاتل. تحرر من هذه البنية التي تنتج ولايات باسم الضرورة والحاجة وغياب البديل ومتطلبات المرحلة… والله إن هذا خطابا يذكرنا بخطاب جمهوريات العسكر العربية.
رجاء، تحملنا وغادر كرسي الزعامة. نحن... بل الوطن في حاجة قوية وعاجلة لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي فقد بوصلته.
معك..الحزب لا يحكم، لا يعارض، لا يحتج، لا يصنع خطابا سياسياً. الاتحاد الاشتراكي ليس حزب الطابور ولا التسويات السياسية مع أحزاب كانت إلى زمن قريب تهابه، فأصبح يدور في فلكها... يا للعار...!
رجاء، أعد لنا وللوطن حزب عبد الرحيم بوعبيد، ليعود المناضلون والمناضلات الشرفاء إلى بيتهم السياسي. فلست والله سيئا.ولا فاشلا. لكنهم أفسدوك، فأفسدت الخيار الديمقراطي...
ولنكن صرحاء أكثر: كثير ممن يدافعون عنك لا يدافعون عنك لشخصك ولا لتاريخك، بل لأجل مواقعهم ومكاسبهم... وقلة صادقة... لكنك لاتسمع أصواتهم... وقلة مؤمنة بك... خوفا على التلاشي ولا ترى بديلا عنك.
وبعضهم يخشى أن برحيلك سيتفكك السقف فوق رؤوسهم. الحزب بالنسبة لهم لم يعد فضاء للنضال، بل سوقا للمغانم، وأنت رأس المال الذي يضمن استمرار هذه التجارة. فكيف لهم أن يقبلوا بانسحابك، وهم يدركون أن خروجك يعني بداية النهاية لأدوارهم الوهمية؟ طبعا ليس الكل...
السؤال الجوهري هنا: ماذا يعني أن تستمر ولاية رابعة؟ ماذا يعني أن يتحول الحزب إلى ملكية شخصية لا يعرف التداول ولا يفتح الأبواب للنخب الجديدة؟ إنها رسالة بئيسة للشباب الذي لا يزال يبحث عن معنى للسياسة، ورسالة محبطة للوطن الذي ينتظر من الأحزاب أن تنتج قيادات جديدة لا أن تدور حول نفس الأسماء.
إنك، وأنت تطمح لولاية أخرى، تعلن أن الحزب عاجز عن إنجاب بدائل، وأن الاتحاد بكل تاريخه صار رهينة شخص واحد لا يغادر إلا إذا قرر هو وحده.
هذا ليس فخرا ولا بطولة، بل إدمانا للزعامة، كما قلنا مرارا، أخطر من أي إدمان آخر. مدمن الكحول قد يغادر فجأة وهم الأنخاب، ومدمن المخدرات قد يعالج، أما مدمن الزعامة فلا علاج له إلا أن يصحو ضميره فيقرر أن يتوقف. وكل تأخير في لحظة التوقف يعني مزيداً من الخراب.
لقد عشنا معك ثلاثة مواسم كاملة، لكنها لم تكن مواسم إنجاز سياسي حقيقي، بل مواسم إدارة أزمة وتعطيل المعارضة... موقع الحزب الحقيقي حاليا. لم تكن معارضتك كما يليق بالحزب... لقد انتظرت.... وتعلم أنهم خذلوك....
جعلت الاتحاد الاشتراكي في منطقة رمادية، لا هنا ولا هناك، لا نار ولا نور. هذا الوضع الرمادي لم ينتج أفكارا جديدة، ولا قدم مشروعا مقنعا، بل عطل وظيفة الحزب السياسية في المشهد السياسي الحالي، وأدخل الحزب في سبات طويل، حتى بات الاتحاد الذي كان مدرسة فكرية ونضالية، مجرد صورة باهتة لا حضور لها إلا في لقاءات موسمية... وفضائح يطالها الصمت... لن ندخل في تفاصيلها.
إن ما تطرحه اليوم من ولاية رابعة ليس مجرد نقاش داخلي حزبي، بل هو عبء سياسي على الوطن.
الوطن يحتاج إلى أحزاب تتجدد، وإلى نخب تتناوب، وإلى فضاءات تعطي المثال في الديمقراطية الداخلية. الوطن يحتاج أن يربح، وأنت تعلم أن بقاءك الطويل لا يجلب إلا الخسارة.
القضية ليست كسر عظام بينك وبين خصومك، وليست حرب مواقع بين جناح وآخر، بل هي أبسط من ذلك بكثير: الوطن يحتاج إلى حياة سياسية صحية، وأنت بهذا التمديد تحرم الوطن من هذا الحق البسيط.
با إدريس، التاريخ لا يرحم. التاريخ يعرف أن الزعيم الحقيقي هو من يعرف متى ينسحب. الزعامة ليست في البقاء الأبدي، بل في القدرة على المغادرة في اللحظة المناسبة.
أما أن تصر على البقاء، وأن تجعل من الولاية الرابعة عرفا جديدا، فهذا لن يسجل لك، بل عليك. وسيكتب التاريخ أنك كنت أول من فتح باب سابقة خطيرة في حزب كان مدرسة للحداثة السياسية.
الزعيم الذي لا يغادر يصنع بطانة من ورق، والبطانة من ورق لا تحمي حزباً، ولا تصنع مستقبلا، ولا تضمن استقراراً. قد تمنحك تصفيقاً وقتياً، وقد تزين لك الأمور بالقوانين المفصّلة على المقاس، لكنها لا تمنحك مجدا ولا تترك أثرا. بل تتركك وحيداً أمام التاريخ، تحمل عبء قرار لم يكن لزاماً عليك أن تتخذه.
أنت رجل كبير، لا أحد ينكر تاريخك. كنت جزءا من معارك حقيقية، وخدمت الدولة في محطات مختلفة. وهذا كله يفرض عليك أن تغادر من الباب الواسع، لا أن تتمسك بمقعد بات عبئاً عليك قبل أن يكون عبئاً على الحزب.
القوة السياسية ليست في البقاء حتى الرمق الأخير، بل في أن تقول: أنجزت ما علي، والآن حان وقت غيري.
الوطن، في نهاية الأمر، هو الرابح أو الخاسر. والوطن اليوم لا يحتاج إلى تجربة ولاية رابعة في حزب التقاطب السياسي الآمن، بل يحتاج إلى حزب يعيد الاعتبار لمعنى السياسة.
الاتحاد الاشتراكي يمكن أن يربح كثيرا إذا تركت مقعدك طواعية، ويمكن أن ينهض من جديد إذا منحته فرصة للتجديد. لكنك إذا أصررت، فلن تخسر وحدك، بل سيخسر الحزب، وسيخسر الوطن، وسيخسر التاريخ فرصة أن يسجلك في خانة الكبار الذين عرفوا متى يغادرون.
با إدريس، إن التمديد ليس بطولة، بل عبثا. الولاية الرابعة ليست إنجازا، بل عارا. والخروج من الباب الكبير للتاريخ ليس هزيمة، بل شرفا. فلا تجعل عبء اللحظة يثقلك إلى هذا الحد، ولا تسمح لإدمان الزعامة أن يحرمك من فرصة أن تكون زعيماً كبيراً بحق، يعرف متى يقول: كفى.
ارحم حزبك، ارحم وطنك، وارحم نفسك، واخرج من الباب الواسع الذي يليق بك، قبل أن يغلق الباب، ويكتب المشهد الأخير لا كما تريد، بل كما يفرضه التاريخ... الوطن وخصوصا في هذا الزمن الحزبي الملتبس حيث نحن في حاجة إلى درس اتحادي في التداول على القيادة....
أعرف أن العملية مكلفة... وهناك جيوب للمقاومة... أعرف أن العملية تحتاج إلى شجاعة... لكن لا تكن أول من أتى بهذه الفرية التنظيمية لحزب القوات الشعبية.


تعليقات
0