مسرحية «تخرشيش».... اللعب الدرامي الذي لامس جدار المسكوت عنه، ومشى في حقل الطابوهات الملغوم على أطارف الأصابع... فالموضوع حساس وصعب التناول السردي الجمالي، لكن النص منح المخرج كل آليات البوح الاجتماعي دون خلق الصدمة القيمة.
مسرحية لم تترك المشهد الثقافي المغربي كما هو، فقد فتحت نافذة على جزء مظلم من وجدان المجتمع، وكشفت عن طابو أخلاقي واجتماعي طال السكوت عنه برؤية فنية دراماتولوجية مبتكرة ومجددة وشجاعة.
الجرأة في الطرح أثارت جدلا بناء واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، بين من اعتبرها تحديا للأعراف التقليدية ومن رأى فيها جرس إنذار ضروري لمواجهة ما يخفيه البيت من أزمات، لكن التناول الجمالي الراقي حول الأنظار من سؤال : ماذا يقول النص؟ إلى دهشة وانبهار : كيف قال النص.... لأن كل عناصره حققت تلك الجرعة الشاعرة بمفهوم جاكسبون، التي تنقل المألوف الخفي إلى الدهشة الفاتنة الشاغبة.
العرض الأول يوم الأحد 7 شتنبر بالمركز الثقافي الحاجب، حمل توقيع عبد الفتاح عشيق في التأليف، وإخراج ودراماتورجيا مريم الزعيمي، بمشاركة طاقات شابة أضفت على النص حيوية وإيقاعا متجددا وتجايلا متثمر.
النص المسرحي متماسك من حيث البناء الدرامي، إذ يعتمد على تصعيد الحدث النفسي والرمزي وصولا إلى لحظة الانفجار والتخلص من وطأة العلاقة المحرمة، مع الحفاظ على نسق سردي متوازي يجمع بين الصراع الداخلي للشخصيات والأبعاد الاجتماعية المحيطة بها.
الإخراج لعب دورا محوريا في نقل النص الذي أبدعه عبد الفتاح عشيق من الورق إلى الأداء الحي، إذ وظفت مريم الزعيمي الفضاء المسرحي بحرفية عالية، مستغلة الإضاءة والصوت والديكور وفق رؤية إبداعية، تفكك المعنى، وتؤسس منطق السؤال لا الاستهلاك، تخلق الصدمة بالدهشة، والدهشة بالتوظيف السيميائي الغني للضوء والظلام والديكور والإكسسوارات، وتفجر عفوية الأداء، مع ضبط الفعل الدرامي.
عرت مربم الزعيمي التناقض بين الظاهر الاجتماعي الملتزم والواقع الداخلي الممزق للشخصيات عبر الأداء المتماسك دون توقع رتيب و مع منح هامش بوح للركح بكل مكوناته دون صرامة القواعد الدرامية...ولا فوضى التجريب... تجريب ضمن القواعد الأكاديمية.... وقواعد... درامية يخلخلها هوس التحول من وثنية الأشكال.
لكن عشيق الذي كابد وجدانيا وتخييليا لمدة سنة... قدم نصا صعبا راقي الرؤية محبكا.. جريئا دون قسوة على الذوق، فاضحا دون وصاية على التأويل... نص يحتاج مخرجا بأدوات درامية متنوعة، ويمتلك القدرة على التجريب وتفجير الدلالة البصرية من المتن اللغوب... والزعيمي كانت في الموعد بامتياز...
وفي هذا السياق نجحت الطاقات الشابة في التعبير عن الانكسار النفسي والتوتر الداخلي بطريقة تقرب المشاهد من صميم الصراع، مع مراعاة الانسياب الطبيعي للحوار والإيقاع المسرحي.
الرؤية الفنية والجمالية للمسرحية تتجاوز مجرد سرد مأساوي، فهي قراءة نقدية حادة للسلطة الرمزية والتفكك الأسري، مع اعتماد أسلوب رمزي يعكس انعكاسات الأزمة على الفرد والمجتمع.
النص والإخراج والأداء توحدوا ليخلقوا تجربة حسية بصرية ركحية مركبة مستفزة للذائقة الفنية والتلقي والتأويل، تجعل المشاهد يواجه الواقع المظلم، ويضطر للتساؤل: هل يكفي الفن لفضح هذه الظواهر؟ أم أن المجتمع بحاجة إلى مقاربات أعمق تشمل التربية والتوعية والسياسات الاجتماعية؟
هل يمكن للمسرح تحويل الصدمة الفنية إلى وعي جماعي يؤدي إلى تغيير حقيقي ومستدام؟ مسرحية «تخرشيش» تترك هذه الأسئلة معلقة، مستحثة الضمائر على مواجهة الحقيقة بلا أقنعة... دون وصاية تقريرية... لأنها جاءت شهادة جمالية... لا منصة محاكمة.


تعليقات
0