عزيز أخنوش خرج في حواره الأخير ليُبشرنا أن البلد في أحسن حال، وأهل الحوز فرحين بما أتاهم الله من نعم على يد أخنوش حامي الغلة والعليين، خرج... ويأتي ويا ليته ما ظهر... فقد غاب حتى تلاشى، وإن لم تنفعه سمرة ساردينيا الجميلة البلورية الشواطئ التي ابتعلت حق مراكش البهية في سياحة الكبار... في زمن العطش المغربي، وترك الأوراش الملكية مفتوحة عقب الخطاب الأخير الذي أعطى الضوء الأخضر لوزارة الداخلية لتنظيم الانتخابات بعدما سحب منه" مشروع استعادة القطيع" عقب فضيحة "الفراقشية" وكل صيغ الدعم للكبار المشبوه...
يعتقد سيدنا أخنوش مول قبة الفشوش، أنا ما تحقق في عهده يستحق الإعجاب لا العجب العجاب. فظهر مبتسما، يوزع الوهم على شعب شقى وغفا وما عفا، وكأن لسان حاله يقول: ما الذي ينقصكم بعد؟ عندكم الحماية الاجتماعية، عندكم فرص شغل، عندكم نمو اقتصادي.
عشنا الجفاف قبل أخنوش.. ولم نجع ولم نعطش... تغذبا مرارا لكن تحملنا... بلا تحلية ولا تغطية...أردناه فقط بدل تشخيص" مول النعناع" أن يجول سوقا شعبيا مكتظا، بالألم والعوز، جفت بنا الأرض قبله وما نقصنا زاد ولا رجاء... فنحن لا يؤلمنا ضيق اليد، لكن عفن اليد، وغبن غطى على كل رجاء، وفساد يراكم خيبات لا ندري ما المآل.
عليه فقط أن يطوف أرجاء مستشفى عمومي، ليعرف شكل الموت ذلا، وظل العوز حين يقتل قبل الأوان...لا معدات لا أطباء و دواء ولا مواعيد مع الأمل، عليه أن يطوف حجرات مدرسة في قرية نائية، ليكشف وهم مدرسة رائدة بلا عدة ولا آمال طموحة.
المغرب الذي يتحدث عنه أخنوش في عقله فقط...مثل الحوز السعيد الذي زاره... أي حوز هذا...؟ ومثل خمسين ألف وحدة سكنية والخيام شاهدة على الزيف، والسجون استقبلت من دافع بوطنية... فأين السعادة يا صاحب الريادة؟
البطالة تكسر ظهر الشباب يوما عن يوم، شباب يهرب من البؤس بالمخدرات... شبح الموت يحلق في البحر في كل حي، وحيث الغلاء يسحق الأسرة والدعم لخفض الأسعار كان حجة للاحتكار وصفقات الأعيان، حيث الفساد ينهش الثقة... ويحرج الدولة المتماسمة بالصبر في الضراء والعدالة في السراء.
قال أخنوش حامي الغلة والإسفين، إن الحكومة خلقت فرص شغل ورفعت نسبة النمو وعممت الحماية الاجتماعية.
سيدتي مدير غولف أكادير...
الأرقام الرسمية تقول إن معدل البطالة ارتفع إلى 13.3% في 2024 بعد أن كان 13.0% في 2023، وعدد العاطلين بلغ 1.63 مليون مغربي، وأكثر من ثلث الشباب عاطلون بنسبة قاربت 37%.
أي فرص شغل هذه؟ هل نحن أمام إنجاز أم أمام فشل في تدبير أبسط الملفات؟ وفي الفلاحة التي هي مفخرة أخنوش محامي الأفوكا، فقد المغرب أكثر من 137 ألف منصب شغل بسبب الجفاف وسوء التدبير، ومع ذلك خرج ليبشّرنا بأن الحكومة صمدت أمام الأزمة.
صمدت فعلا طويلا، لكن على أكتاف من؟ على أكتاف الفلاح الصغير الذي باع بقرة بيته ليؤمن علفا لبضعة رؤوس، على أكتاف الشاب الذي هاجر نحو المدينة ولم يجد سوى بطالة طويلة الأمد، أو اختار مغامرة البحر ليموت وفي كفه صور وطن خذله بخيارات حكومة لا تشبع حتى تبلع ولا تبلع حتى ترتع، ولا ترتع حتى تشرع الحق في الدم والعرق والتربة والهواء والماء والهواء.
على أكتاف أسرة تضاعفت فاتورتها الغذائية بينما الدعم ذهب إلى كبار المستوردين في لعبة مكشوفة المدخلات، وتريدنا يا حامي الغلة والديْن أن نرقص لك ومعك... على منصة... شعارها " من رقص غنم... ومن تَخَوْنَشَ تموقع ونعم"
أليس ملف الأغنام فضيحة مدوية في الذاكرة القريبة؟ الحكومة منحت إعفاءات وتسهيلات بالملايين لاستيراد رؤوس أغنام من الخارج بدعوى خفض الأسعار قبل عيد الأضحى، لكن الأسعار ارتفعت ولم يستفد المواطن بشيء. من استفاد؟ الوسطاء والمستوردون الذين ضمنوا أرباحهم على حساب جيب المواطن.
ومع ذلك تخرج لتحدثنا عن نجاح تجربة الدعم للفئات الهشة وكأنها قصة تدبير حكومي تدرس في معاهد مشاريع الأزمات. وتعلم أن الواقع كشف أن الدعم لم يصل إلى آلاف الأسر التي فشلت في التسجيل في السجل الاجتماعي الموحد أو وجدت ملفاتها عالقة في دهاليز البيروقراطية.
مشروع تحلية المياه نموذج آخر لتضارب المصالح: صفقة بمليارات الدراهم حصلت عليها شركاتك مع دعم حكومي، ومن موقعك كرئيس للإدارة تملك المعلومة والحق في صياغة قوانين حصرية....مع امتياز تشغيل لثلاثين سنة، وكأن الماء غدا ذات ليلة سلعة حصرية على فئة محددة من النخبة الاقتصادية.
أخنوش في حواره تحدث عن هذا المشروع بفخر وكأنه إنجاز وطني، لكنه لم يقل لنا كيف سيضمن أن ثمن الماء لن يتحول إلى عبء جديد على الفقراء، وكيف يمكن لمواطن بسيط أن يثق بصفقة تمنح الربح لشركة رئيس حكومة المغرب... عبث والله عبث...حكومة تدور في فلك تشرع وشركات أخنوش منذ صفقات المحروقات تغنم.
الصحة التي قال حامي الغلة والفلين إنها تتحسن... تشهد في الواقع انهيارا مستمرا: أقل من طبيب واحد لكل ألف مواطن، أقسام المستعجلات تكتظ بالمصابين، والأطباء المتدربين في حيص بيص...مواعيد عمليات تؤجل لأشهر ... لسنوات..أدوية أساس مفقودة في المراكز الصحية، وهجرة جماعية للأطباء نحو أوروبا والخليج.
هل هذه هي المنظومة الصحية التي يتحدث عنها أخنوش؟ هل هذا هو تعميم التغطية الصحية الذي يفخر به؟ ما قيمة بطاقة " الضمان " إذا كان حاملها يضطر إلى دفع ثمن العملية في عيادة خاصة أو يبيع حلي زوجته ليشتري دواء مفقودا أو تسول العلاج في مهانة على الملأ في الفيسبوك؟
أما التعليم الذي قال عنه إن حكومته أطلقت إصلاحا تاريخيا، بيننا التاريخ... ليكون الحساب عسيرا... فقد ألفنا أن كل إصلاح في التعليم حديقة خلفية للتعتيم... ومشاتل للفساد باسم السبورات والعدالة...؟ بيننا التاريخ.... الريادة... أسطورة... ستغتال التميز والموهبة... سنصنع جيلا بمهارات محدودة تكفيه فقط لاجتياز امتحان رخصة القيادة لا رخصة الحياة الكريمة.
التعليم يعيش أزمة خانقة: أكثر من 290 ألف تلميذ يغادرون المدارس سنويا، الإضرابات تشل القطاع، المدرسون في مواجهة مفتوحة مع الوزارة بسبب النظام الأساسي، حيث صنفت الوزارة " بأكبر قطاع خداع" يعد ولا يفي...
الكفايات التعليمية في تراجع مقلق وفق تقارير دولية. ومع ذلك يصر رئيس الحكومة على أن الأمور بخير وأن الإصلاح يسير كما خطط له. كيف يمكن لجيل كامل أن يتعلم في حجرات مكتظة، بوسائل بيداغوجية متقادمة، وفي ظل غياب تحفيز حقيقي للأطر التربوية، ثم يقال له إن الإصلاح يسير؟
السكن ملف آخر يخجل أي مسؤول يتحدث عن العدالة الاجتماعية: أسعار العقار ترتفع رغم الركود، والشاب المغربي يجد نفسه بين خيارين: قرض يطارده لعشرين سنة أو العودة إلى بيت العائلة حتى سن متقدمة... ودعم السكن وهم... لأنك غائب عن فهم اختلالاته... وعن الاستعباد الجديد في قطاعات شغليية راقية الإنتاج، محطة السخرة والإنهاك...لا استقرار اجتماعي ولا ضمانة للحياة الكريمة.
مشاريع السكن الاجتماعي تورطت في فضائح فساد... النوار مازال يلتهم دعم الدولة... وبنايات غير مطابقة للمعايير، فيما الحلم البسيط ببيت لائق أصبح بعيد المنال لطبقة متوسطة تتآكل يوما بعد يوم.
في الاقتصاد، حامي الغلة والمنة يتغنى بنسبة نمو تدور بين 3 و4%، لكن هذا النمو هس يعتمد على الأمطار وتحويلات مغاربة العالم وصناع المحتوى... حتى الفاسبوك يضخ العملة الصعبة... والتيك توك...فلا تحدثنا عل إنتاجية اقتصادية حقيقية.
التضخم قد يكون انخفض في الأرقام الرسمية لكنه ما زال يقصم ظهر المواطن الذي يشتري أقل بأجره نفسه. أسعار الخضر والفواكه التي يفترض أن تكون في متناول الجميع تجاوزت قدرة كثير من الأسر، واللحم أصبح ضيفا نادرا على مائدة الفقراء.
ومع ذلك يخرج أخنوش ليطمئننا أن الأمور تحت السيطرة، وأننا نسير في الاتجاه الصحيح، وكأننا لا نرى الاتجاه الذي تنحدر إليه القدرة الشرائية.
الفساد هو الكابوس الذي يطارد كل إصلاح. المغرب تراجع إلى المرتبة 99 عالمياً في مؤشر مدركات الفساد لعام 2024 بنقطة 37 من 100. أي أن الشعارات المرفوعة عن مكافحة الفساد بقيت شعارات، بينما الواقع يكشف أن الإفلات من العقاب ما زال القاعدة.
تقارير المجلس الأعلى للحسابات تكشف اختلالات بالجملة في الصفقات العمومية، لكن القليل من الملفات ينتهي أمام القضاء، وأكثر ما ينتهي هو مسار المواطن الذي يمل من المطالبة بالمحاسبة. أكثر من 31% من المغاربة دفعوا رشوة مرة واحدة على الأقل للحصول على خدمة عمومية، وفق استطلاعات رسمية، وهذه نسبة كفيلة بأن تجعل أي مسؤول يخجل من الحديث عن الشفافية وكأنها تحققت.
أخنوش تحدث عن دعم المرأة وتمكينها، لكن النساء ما زلن أول ضحايا البطالة والعنف الاقتصادي والأسري. مشاركة النساء في سوق الشغل لا تتجاوز 20%، ونسبة الأمية بينهن ما زالت مرتفعة خصوصاً في القرى، ومع ذلك تُقدم صور احتفالية لبرامج دعم رائدات الأعمال وكأنها غطت على الجرح العميق.
المغربي اليوم لا يطلب المعجزات، يطلب أشياء بسيطة: مستشفى مجهز وطبيب حاضر، مدرسة بلا قهر ولا تمييز اجتماعي، عمل يقيه ذل السؤال، ماء صالح للشرب بثمن معقول، إدارة لا تطلب منه رشوة لتسلم شهادة.
يريد أن يشعر أن الحكومة لا تشتغل ضده بل من أجله. لكن الواقع يثبت العكس: قرارات متأخرة، أولويات منحرفة، واهتمام مفرط بالخطاب الدعائي على حساب الفعل الملموس.
المشكلة ليست في الحوار الذي أجراه أخنوش، المشكلة في أن الحوار يعكس ذهنية حكومة تعتقد أن التواصل يغني عن الإنجاز. لكن المغاربة لم يعودوا يقنعهم الكلام المنمق. كلما ظهر رئيس الحكومة ليشرح ما يعتبره نجاحا... تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى مهرجان سخرية جماعي، لأن الناس لا يرون في الواقع ما يسمعونه في الإعلام الرسمي.
البلد يحتاج إلى محاسبة حقيقية، إلى قانون صارم لتضارب المصالح يمنع الجمع بين الثروة والسلطة، إلى محاربة فعلية للفساد لا مجرد شعارات، إلى دعم اجتماعي يصل فعلا إلى المستحقين لا إلى الوسطاء، إلى استثمار جاد في الصحة والتعليم بدل تركهما للانهيار. ما لم يحصل هذا، فإن الكلام عن "المغرب بخير" سيظل نكتة متداولة بين الناس، وسيظل الشارع يغلي إلى أن ينفجر.
المغاربة لا يكرهون بلادهم، لكنهم ضاقوا ذرعا بمن يجعلون الوطن ماركة تجارية لتسويق خطاب سياسي بارد. يريدون أن يروا أثرا لما يدفعونه من ضرائب، يريدون أن يثقوا أن الماء الذي سيشربونه لن يتحول إلى فرصة ربح لشركات رئيس الحكومة، أن الخبز الذي يشترونه لن يصبح أداة ضغط على معيشتهم، أن كرامتهم ليست ترفا في ميزانية الدولة. يريدون دولة اجتماعية حقيقية لا لافتة ترفع في الحوارات التلفزيونية.


تعليقات
2