في مدن مثل إنزكان وأكادير وعدة مدن كبرى، قامت وزارة التربية الوطنية، حسب ما كشفه موقع نيشان، على مدى سنوات بالموافقة على طلبات رفع اليد تخص بقع أرضية كانت مخصصة لإقامة مدارس عمومية، لتتحول فجأة إلى مشاريع خاصة تحت شعار بناء مدارس خصوصية.
الغريب في الأمر أن الوزارة كانت ترفق هذه الموافقات دائمًا بعبارة واحدة ساحرة: "لا ترى مانعا آنيا أو مستقبلا"، كما لو كانت عبارة سحرية قادرة على محو خصاص المدارس والاكتظاظ في الأقسام، وجعل التلاميذ يتسابقون على المقاعد وكأنهم يبحثون عن كنز مدفون.
التفاصيل تكشف أن هذه التفويتات لم تكن قرارات فردية أو أخطاء عابرة، بل سياسة ممنهجة تم استغلالها عبر انتهاء فترة تصاميم التهيئة الخاصة بعدة مدن.
الوثائق تشير إلى أن عملية التفويت لم تكن ممكنة إلا بموافقة مسؤول في الوزارة، وهو ما يجعل المسؤولية محصورة على أشخاص بعينهم، فيما يستفيد الخواص من أراضٍ كانت مفترضًا أن تخدم مصالح آلاف التلاميذ.
وهكذا، أصبح شخص واحد يتحكم في مصير منظومة تعليمية بأكملها، بينما الواقع على الأرض يُظهر خصاصًا هائلًا وفصولًا مكتظة تصل أحيانًا إلى أكثر من خمسين تلميذًا في فصل واحد.
المفارقة أن الوزارة كانت تبرر رفع اليد دوما بـ"انتفاء الحاجة" لبناء مدارس عمومية، في وقت يثبت فيه الواقع الحاجة الماسة إليها. أي حاجة انتهفت؟ هل هي الحاجة إلى تعليم يتوفر على مقاعد؟ أم الحاجة إلى ألا يضطر أولياء الأمور إلى دفع أقساط باهظة في مدارس خاصة لأن المدرسة العمومية أقرب إلى حلم منه إلى حقيقة؟ كل هذا يتم تحت شعار "لا ترى مانعًا آنيا أو مستقبلا"، وهو شعار صار بمثابة علامة تجارية للوزارة، تعكس فلسفة التفريط والاكتظاظ والخصخصة في آن واحد.
الشبكة المغربية لحماية المال العام لم تترك هذا الأمر يمر مرور الكرام، إذ دعت إلى فتح تحقيق شفاف ومسؤول، مستغربة التناقض الصارخ في سلوك الوزارة، التي تفرّط في الأراضي المخصصة للمدارس العمومية بدعوى عدم الحاجة إليها، بينما تمنح هذه الأراضي للخواص لبناء مؤسسات خاصة.
في الوقت الذي يعاني فيه القطاع العام خصاصا كبيرا. ورغم هذه الدعوات، يبدو أن الوزارة لا تولي أي اهتمام حقيقي بالرقابة أو التحقيقات، مكتفية بابتسامة رسمية وكأنها تقول: "الأطفال سيجدون مقاعدهم… أو سيتعلمون الصبر في الطابور!"
إذا أردنا رسم شعار الوزارة الحالي، فهو واضح: "وزارة التربية الوطنية: لا مانع آنيا أو مستقبلا من التفريط، الاكتظاظ، والخوصصة"، شعار يصلح لأن يعلق على بوابات كل مدرسة مكتظة، ويصبح درسًا عمليًا للتلاميذ في فن الانتظار، الصبر، والتكيف مع الواقع الذي فرضته سياسات رفع اليد المتكررة.
حسب ما كشفه موقع نيشان، فإن هذا الملف ظل محصورا في حدود مسؤولية العامل، مع أنه لم يكن ممكنا تمرير هذه التفويتات الضخمة من دون توقيع المسؤولين في الوزارة...
ما يضع علامات استفهام كبيرة حول جدية الوزارة في حماية الملك العام وتوفير تعليم عمومي لائق لكل الأطفال، بدل أن تتحول المدارس العمومية إلى مجرد حشو في انتظار من يدفع الأقساط.
ما يثير الاستغراب هو أن كل هذا يحدث في وقت يعاني فيه قطاع التعليم العمومي من خصاص هائل في الحجرات والمدرسين، بينما تتحول الأراضي العمومية إلى مشاريع تجارية للخواص، وكأن الوزارة تقول بصراحة:
"التعليم للجميع… لمن يستطيع الدفع فقط". وبهذا، يصبح الاكتظاظ والفوضى والخصاص جزءا من المنهج الرسمي، وجزءا من درس الحياة الواقعية الذي تقدمه الوزارة يوميا.
القصة ليست مجرد فضيحة فردية، بل مؤامرة إدارية منظمة، حيث يتم التفريط في الملك العام باسم "رفع اليد" تحت شعار "لا مانع آنيا أو مستقبلا"، ليبقى الأطفال والتلاميذ في الأقسام المزدحمة، بينما الخواص يبنون مدارسهم الفاخرة على أراض كانت مخصصة للتعليم العمومي.
القضية لا تخص مدينة بعينها، بل عدة مدن مغربية، ويستدعي الأمر تحقيقا حقيقيا ومحاسبة المسؤولين الذين جعلوا من المدرسة العامة مجرد ذكرى جميلة، ومن عبارة "لا مانع آنيا أو مستقبلا" شعارا للتفريط المنظم... وهذا امتحان آخر لبرادة... وخطابه عن الحكامة والريادة.
ملاحظة أستاذ قديم: إن كان الملف فضائح تمتد لسنوات… فالمساءلة يجب أن تشمل السابقين من وزراء ومسؤولين كبار، فهذا إرث فساد… وهو مزمن..


تعليقات
0