خلصت لجنة تحقيق دولية مستقلة تابعة لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة إلى أن إسرائيل ترتكب منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 أفعالاً ترقى إلى جريمة الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، مشيرة إلى أن كبار المسؤولين الإسرائيليين، بمن فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ورئيس الدولة إسحاق هرتزوج، قد حرّضوا بشكل مباشر أو غير مباشر على هذه الإبادة.
التقرير الأممي الذي صدر منتصف شتنبر 2025 اعتبر أن الجيش الإسرائيلي نفذ عمليات قتل واسعة النطاق، وتسبب في أذى جسدي ونفسي شديد للسكان، وفرض ظروفاً معيشية تهدد بقاءهم، واتخذ إجراءات تؤثر على الخصوبة وتمنع الولادات داخل الجماعة الفلسطينية، وهي أربعة من أصل خمسة أفعال تُصنَّف في القانون الدولي كأركان لجريمة الإبادة الجماعية وفق اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948.
وأكدت اللجنة أن النية المبيّتة للقضاء على الفلسطينيين جزئياً أو كلياً ظهرت في الخطاب الرسمي الإسرائيلي منذ اندلاع الحرب، واستشهدت بتصريحات نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت التي دعت إلى "محْو غزة" و"قطع الكهرباء والماء والوقود" عن سكانها. ورأت أن هذه التصريحات ليست معزولة بل تعكس سياسة ممنهجة تهدف إلى تدمير البنية المجتمعية في القطاع.
ورفض الكيان
الصهيوني التقرير، ووصفته وزارة الخارجية بأنه "منحاز" و"يخدم أجندات معادية لإسرائيل".
رأت منظمات حقوقية دولية مثل "هيومن رايتس ووتش" و"أمنستي إنترناشونال" أن نتائج التحقيق تؤكد ضرورة فرض حظر دولي على توريد السلاح لإسرائيل وفتح تحقيقات أمام المحكمة الجنائية الدولية بحق المسؤولين المتورطين.
كما رحّبت عدة دول بتقرير اللجنة، بينها جنوب أفريقيا وتركيا وماليزيا، داعية إلى تحرك عاجل لوقف الحرب وحماية المدنيين، فيما حذرت أوساط دبلوماسية غربية من أن التقرير سيزيد الضغوط على الحكومات الداعمة لإسرائيل ويعيد الجدل حول شرعية الدعم العسكري المقدم لها.
ويشكّل هذا التقرير أرضية قانونية مهمة قد تدفع المحكمة الدولية للعدالة في لاهاي إلى اتخاذ تدابير إضافية ضد إسرائيل، خصوصاً وأنها تنظر بالفعل في دعوى جنوب أفريقيا المتعلقة باتهامات الإبادة الجماعية.
ويرى خبراء أن التقرير سيقوّي الحجج المطالبة بمساءلة إسرائيل على أعلى المستويات، وربما إصدار مذكرات توقيف بحق بعض المسؤولين إذا ثبتت الأدلة أمام المحكمة الجنائية الدولية. ويأتي هذا التطور في ظل كارثة إنسانية غير مسبوقة في غزة، حيث تشير تقارير وزارة الصحة إلى سقوط عشرات آلاف القتلى، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى انهيار كامل للبنية التحتية الصحية ونقص حاد في الماء والغذاء والدواء.
وحذرت منظمات الإغاثة من مجاعة وشيكة إذا استمر الحصار ومنع المساعدات الإنسانية.
إن تقرير لجنة التحقيق الأممية يُعدّ أول توصيف رسمي من هيئة تابعة للأمم المتحدة لما يجري في غزة على أنه إبادة جماعية، ما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى التزامه بالقانون الدولي الإنساني.
وبينما تصر إسرائيل على تبرير عملياتها العسكرية باعتبارها "دفاعاً عن النفس"، فإن الضغط القانوني والدبلوماسي يتصاعد لإجبارها على وقف الحرب ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الموثقة.

