جريدة تمغربيت|24 ساعة

حكومة المنصوري: هل لا تزال الفكرة قابلة للتنزيل سياسياً؟

el-mansouri

في محطات سياسية كثيرة، لا تُستوعب الأبعاد الحقيقية للأحداث من خلال الخبر المجرد وحده؛ فالصحافة كثيراً ما تسبق الحدث، والتخمين الصحفي الذكي يسبق التحليل الرصين القائم على التفكيك الهادئ للوقائع.

UCAR

حين نرجع إلى خبر تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة، وتكليفها بفتح مفاوضات تشكيل الأغلبية، ندرك أننا لسنا إزاء مجرد تغيير روتيني في رئاسة الجهاز التنفيذي، بل أمام لحظة مفصلية تستدعي استحضار سياقها التاريخي المركب، لتعيد إلى الواجهة سؤالاً عميقاً عمره قرابة عقدين: ماذا بقي اليوم من الفكرة الأم التي ولدت معها «حركة لكل الديمقراطيين»؟

في يناير 2008، ظهرت الحركة كدينامية مفتوحة تتجاوز الاصطفافات الحزبية الضيقة، وتطرح مشروعاً لتجديد العلاقة بين الشارع والنخب، وتعميق الإصلاح المؤسساتي والدستوري، وإرساء دعائم الديمقراطية والحداثة والتنمية. وقرأت أدبيات ودراسات تلك المرحلة المبادرة بوصفها تحركاً نحو صيغة سياسية جديدة تتجاوز الخريطة الحزبية القائمة.

اليوم، وبعد ثمانية عشر عاماً، تجلس واحدة من أبرز وجوه ذلك الجيل السياسي في الموقع التنفيذي الأرفع: فاطمة الزهراء المنصوري، المكلفة بتشكيل الحكومة عقب تصدر حزب الأصالة والمعاصرة انتخابات 23 شتنبر 2026 بـ 97 مقعداً.

المشهد إذن يتجاوز لعبة الأرقام والمقاعد، ويستحق أن يُقرأ من زاوية أعمق بكثير.

من تجميع الديمقراطيين إلى تجميع الأحزاب

كان الرهان الجوهري للفكرة الأولى لـ«لكل الديمقراطيين» هو البحث عن المساحة المشتركة بين شخصيات وتيارات لا يجمعها تاريخ حزبي واحد: هل يمكن لليساري والليبرالي والتكنوقراطي والفاعل الجمعوي أن يجتمعوا مع الحزبي حول مشروع وطني جامع؟

اليوم، تجد المنصوري نفسها أمام النسخة الحكومية من السؤال ذاته، لكن بصيغة أشد تعقيداً: هل تستطيع جمع أحزاب متباينة حول مشروع سياسي متكامل، أم أن العملية ستنتهي إلى مجرد كعكة لتقاسم الحقائب والمواقع؟

هذا التساؤل ليس معطىً تقنياً في هندسة التحالفات، بل هو اختبار حقيقي لفكرة سياسية قديمة. فالمجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة فوض بالفعل لجنة المشاورات (التي تضم المنصوري، فوزي لقجع، أحمد أخشيشن، وعبد اللطيف وهبي) لمواصلة التفاوض بغية التوصل إلى التوافقات الكفيلة ببناء الأغلبية. كما أطلقت المنصوري الجولة الأولى من الحوار مع مختلف المكونات الحزبية لبناء ائتلاف حكومي يترجم نتائج الصناديق إلى برنامج عمل.

وهنا تحديداً يحضر طيف التجربة الأولى: «لكل الديمقراطيين» أُريد لها أن تجمع الديمقراطيين خارج الأطر التقليدية، أما المنصوري اليوم فيُطلب منها جمع الأحزاب داخل المؤسسات. والفرق بين المفهومين هو الفارق بين “مشروع سياسي” و”عملية حكومية”.

فؤاد عالي الهمة: منطق كسر القوالب

لم تنشأ «حركة لكل الديمقراطيين» كحزب تقليدي، بل كانت مبادرة سياسية مفتوحة ارتبطت بشخصية فؤاد عالي الهمة، الذي استقال من وزارة الداخلية وخاض انتخابات 2007 مستقلاً، ليتوج مساره بكتلة برلمانية من 36 نائباً شكّلت النواة الصلبة التي سبقت ولادة الحركة.

كانت تلك اللحظة تتسم بأزمة ثقة حادة في الأحزاب التقليدية، وكان السؤال المطروح: لماذا عجزت الخريطة الحزبية القائمة عن استيعاب التحولات المجتمعية الجديدة؟ جاءت الحركة لتقدم جواباً عملياً: لنبدأ من الفكرة أولاً، لا من الحزب.

لكن دينامية السياسة المغربية وقواعد اللعبة سرعان ما فرضا العودة إلى منطق التنظيم، فكان التحول الفاصل سنة 2008 بتأسيس “حزب الأصالة والمعاصرة”. وهنا وقع الانتقال الكبير: من تجربة تسعى لتجميع فضاء سياسي واسع، إلى بناء أداة انتخابية وتنظيمية قادرة على المنافسة والحكم. ومنذ تلك اللحظة تغير السؤال الفلسفي والسياسي: لم يعد كيف نجمع المختلفين؟ بل كيف نحكم بهم؟

المنصوري وإرث التجربة: الامتحان الأصعب

تكمن قيمة اللحظة الحالية في كون فاطمة الزهراء المنصوري ليست مراقبة أجنبية عن هذا التاريخ؛ بل هي ابنة هذا الجيل السياسي الذي تشكّل في رحم المبادرة الأولى، وعايش تحولها من حركة إلى حزب، ومن حزب فتِيّ إلى قوة حكومية، وصولاً إلى تصدر انتخابات 2026.

وعندما تخوض المنصوري اليوم مفاوضات تشكيل الحكومة، فهي لا تدير حسابات المقاعد والكتل البرلمانية فحسب، بل تواجه إرثاً سياسياً كاملاً:

  • هل تملك القدرة على إعادة إنتاج روح التجميع التي قامت عليها الحركة الأولى؟
  • أم أن التجميع الجديد لن يعدو كونه هندسة تقنية لأغلبية برلمانية؟

الفارق بين الخيارين جوهري؛ فالتجميع السياسي يعني التئام مكونات متباينة حول رؤية متكاملة للمغرب ومستقبله، بينما التجميع الحسابي لا يعني سوى تجميع المقاعد الكافية لتأمين النصاب. الأول يحتاج مشروعاً وطدياً، والثاني يكتفي بالأرقام… والحكومات لا تعيش طويلاً بالأرقام وحدها.

المفارقة السياسية: إدارة اللعبة بأدواتها

تتجلى المفارقة السياسية في أن الحزب الذي نبت من خطاب يسعى لتجاوز الحدود الحزبية، أصبح اليوم مطالباً بإدارة أعتى العمليات الحزبية وأكثرها تعقيداً: بناء أغلبية حكومية.

غير أن هذا ليس تناقضاً بالضرورة؛ فالديمقراطية تقوم على الأحزاب، والحكم يتطلب أغلبية، والأغلبية تتأسس عبر التفاوض. الخطر الحقيقي يبدأ حين يتحول التفاوض من أداة لبناء مشروع تنموي وديمقراطي إلى غاية قائمة بذاتها.

لذلك، فإن السؤال المفصلي الذي يواجه المنصوري اليوم ليس: من سيدخل الحكومة؟ بل: على أي أساس ومشروع سيدخلون؟

اختبار الأغلبية وسؤال الشارع المعطل

تتطلع المفاوضات الجارية إلى تجاوز محطتين حاسمتين:

  1. الاختبار العددي: تأمين الأغلبية البرلمانية المريحة.
  2. الاختبار السياسي: صياغة قاسم مشترك حكومي يحمل رؤية واضحة.

فالحزب المتصدر بـ 97 مقعداً لا يستطيع الحكم بمفرده، مما يفرض عليه تحويل تفوقه الانتخابي إلى قدرة قيادية على صناعة الائتلاف. وهنا تعود روح «لكل الديمقراطيين» من الباب الخلفي: إذا كان الهمة قد حاول جمع الديمقراطيين خارج الأحزاب، فالمنصوري مطالبة اليوم بجمع الأحزاب حول مشروع ديمقراطي حداثي.

لكن السؤال الأشد خطورة يظل مرتبطاً بالمواطن نفسه؛ فالمبادرة الأولى ركزت على إعادة بناء الجسور بين الشعب والنخب وتجاوز حالة السلبية واللامبالاة. واليوم، وبعد ثمانية عشر عاماً، لا يكفي أن تتسع الأغلبية تحت قبة البرلمان، بل المطلوب أن تتسع دائرة الثقة خارج المؤسسات.

فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الوزراء والمناصب، بل بقدرة الفعل السياسي على إقناع المواطن بأنه أمام عقد سياسي واجتماعي جديد يغير واقع حياته اليومية، وليس مجرد صفقة بين مكونات حزبيّة.

هل تكتمل الدائرة؟

تصل المفارقة ذروتها حين نتأمل مسار التجربة: بدأ المشروع مع رجل أراد الخروج من السلطة التنفيذية نحو الفضاء البرلماني لإعادة ترتيب المشهد، ثم تحول إلى حركة، فحزب، ثم أصبح قوة حكومية، واليوم تقف إحدى شخصيات ذلك الجيل على رأس الجهاز التنفيذي لتجمع القوى السياسية حولها.

الدائرة تكاد تكتمل، لكنها لن تحقق معناها الحقيقي إلا إذا عادت السياسة إلى سؤالها التأسيسي الأول: ما الذي نريد بناءه معاً؟

إن كان الجواب مجرد تجميع أرقام لضمان الأغلبية، فإن فكرة «لكل الديمقراطيين» تكون قد انتهت منذ زمن. أما إذا كان الجواب هو إعادة هيكلة الفضاء السياسي حول مشروع وطني حداثي وتنموي قادر على استيعاب الاختلاف واستثماره، فإن المنصوري تقف أمام فرصة تاريخية لإعادة فتح الصفحة الأولى—لكن هذه المرة بأدوات الحكم والسلطة لا بأدوات الحركة والاحتجاج.

إن فاطمة الزهراء المنصوري لا تشكل حكومة فحسب؛ بل تختبر—شعرَت بذلك أم لم تشعر—مدى قدرة فكرة أطلِقت قبل عقدين على التحول إلى نموذج ناجح في إدارة الدولة. والحكم هو الامتحان الأقسى على الإطلاق؛ لأن جمع السياسيين أسهل من صياغة المشروع، وجمع المقاعد أيسر من توحيد الإرادات، وتأمين الأغلبية أهون بكثير من جمع الناس حول رؤية واحدة للمستقبل.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫
‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة تمغربيت