جريدة تمغربيت|24 ساعة

البام ” والحاجة الملحة للتصالح مع مشروع ” حركة لكل الديمقراطيين “…

file_00000000a3ec81f4b5f23125e8106237

يقف حزب الأصالة والمعاصرة اليوم أمام لحظة سياسية فارقة في تاريخه التنظيمي والفكري، وهي لحظة لا تشبه في مفصلتيها المعقدتين أي مرحلة سابقة من مساره الحافل بالتحولات. فبعد أن رسمت نتائج الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026 تموقع جديد للحزب داخل الخريطة السياسية الوطنية، وضاعفت من ثقله داخل معادلة القرار والتدبير، لم يعد السؤال الجوهري المحرك للنقاش هو عدد المقاعد التي حصدها، ولا شكل التحالفات الحكومية التي سينخرط فيها، بل أصبح السؤال الأعمق والأكثر إلحاح: ماذا سيفعل الحزب بهذا الموقع المتقدم؟ وأي مشروع مجتمعي وسياسي سيحمله معه إلى المستقبل؟ في هذه اللحظة بالذات..

UCAR

تعود شخصية فؤاد علي الهمة إلى صدارة النقاش الفكري والسياسي، ليس من باب استدعاء الأشخاص أو النبش في التاريخ للبحث عن زعامات غائبة، بل باعتباره واضع اللبنة الأولى والمؤطر المرجعي للفكرة التي منحت تجربة الأصالة والمعاصرة معناها الوجودي والسياسي المستقل.

إن العودة إلى الهمة في هذا السياق السياسي الراهن ليست نكوص إلى الماضي ولا رغبة في استعادة أدوار شخصية فارقت العمل الحزبي المباشر منذ سنوات، بل هي عودة واعية إلى المشروع الفكري والتأسيسي الذي سبق الحزب نفسه وكان علة وجوده الأولى. فالفرق بين العودتين أساسي وجوهري في بناء أي قراءة تحليلية منصفة؛ إذ لم يبدأ فؤاد علي الهمة مشروعه من رغبة في تأسيس دكان انتسابي جديد يسعى لحصد الأصوات وتدبير الحملات الانتخابية، بل انطلق من طرح سؤال سياسي عميق ومقلق حول واقع المشهد الوطني وإمكانية إعادة هيكلته على قواعد جديدة تجمع بين النجاعة والشرعية.

حين أبصرت حركة لكل الديمقراطيين النور في سنة 2008، قبل أن تفرز لاحقا حزب الأصالة والمعاصرة، لم تكن الفكرة مجرد تجميع هجين لرجال الأعمال والأعيان والنخب والوجوه السياسية السابقة. لقد كان طموح تلك المبادرة، كما توثقه وثائق التأسيس وشهادات ثلة من قياداتها التأسيسية مثل علي بلحاج وغيره، يتلخص في إعادة تركيب المجال السياسي المغربي عبر بناء تيار اجتماعي وسياسي عريض يزاوج بذكاء وشجاعة بين الانفتاح على القيم الكونية الحديثة والتشبث بالمقومات الراسخة للهوية الوطنية. لقد عبر بلحاج عن روح تلك الفكرة بوصفها محاولة لتأسيس مشروع كوني، حديث، لكنه متجذر أشد الانتماء في أصالة البلد وخصوصيته التاريخية.

تكمن القيمة الفكرية والسياسية للهمة في كونه حاول أن يبرهن عملي على وجود مغرب آخر ينبض داخل المجتمع ذاته؛ مغرب لا يرى أي تناقض مفترض بين هويته وحداثته، ولا يقبل المفاضلة القسرية بين إسلامه وديمقراطيته، ولا يضع ملكيته الراسخة في مواجهة الانفتاح والتطور، ولا يضحي بخصوصيته الثقافية والروحية على مذبح العصرنة المقلدة. كان هذا هو الرهان السياسي الحقيقي الذي أطلق تلك الدينامية التأسيسية. ولعل اختزال مشروع الهمة في كونه مجرد رد فعل أو أداة لمواجهة الصعود الانتخابي للتيارات الإسلامية يمثل قراءة قاصرة وتسطيح لمسار سياسي أكثر تعقيد. وعلى الرغم من أن أطراف متعددة سعت إلى تسويق الحزب في تلك الزاوية الضيقة، فإن أدبيات حركة لكل الديمقراطيين تؤكد أن الغاية الأصلية كانت أوسع وأعمق من ذلك بكثير: إنها تنظيم التيار الاجتماعي الحديث الموجود في عمق المجتمع المغربي والذي ظل يفتقد لوسيلة تمثيل سياسي جادة وواضحة.

غير أن المعضلة الكبرى التي واجهت حزب الأصالة والمعاصرة عقب انتقاله من أفق الحركة الفكرية الشاملة إلى واقع التنظيم الحزبي تمثلت في الانجراف المباشر نحو منطق الانتخابات والتوازنات العددية. وعلى الرغم من أن هذا التحول قد يبدو مبرر ومتوقع في مسارات العمل الحزبي اليومي، إلا أنه تسبب في فقدان الحزب لبوصلته الأولى وتخليه التدريجي عن الفكرة التأسيسية الجامعة. فبدل أن يتطور الحزب ليكون التعبير السياسي الجسور عن رؤية مجتمعية واضحة تتغذى من أدبيات الحركة، صار في مراحل عديدة أسير للحسابات الانتخابية الضيقة، وللتحالفات الظرفية، ولحركة الاستقطاب الحاد للنخب المحلية والأعيان الذين لم تجمعهم بالمرجعية التأسيسية أي رابطة فكرية أو قناعة أيديولوجية.

لقد بدأت تتعالى، حتى من داخل الأحشاء التنظيمية للتجربة ذاتها، أصوات متبصرة تدعو إلى ضرورة إجراء مراجعة شجاعة ونقد ذاتي للبنية والمسار. فقد أثبتت الوقائع أن تجميع الشخصيات والفعاليات القادمة من خلفيات متناقضة لم يكن كافي لوحده لبناء هوية سياسية متماسكة أو صياغة مشروع متجانس. وفي هذا السياق، جاءت مؤتمرات وخطابات قيادية لاحقة لتؤكد أن المرجعية الناظمة التي تزاوج بين الهوية الوطنية والتطلع الكوني تظل مرجعية صالحة وراهنية، غير أنها تفتقر إلى التطوير والتطبيق العملي في ممارسات الحزب اليومية. ومن هنا تتبدى أهمية المصالحة مع رؤية الهمة؛ فهي ليست مصالحة مع الأخطاء أو الممارسات الخاطئة التي شابت المراحل السابقة، ولا تبرئة للتجربة من عثراتها التنظيمية، ولا دفاع عن سلوكيات أفراد مروا عبر الحزب، بل هي مصالحة موضوعية مع الفكرة الأصلية التي كانت ولا تزال أكبر من جميع الأشخاص.

تتلخص تلك الفكرة في الصيغة الناجعة: بناء مغرب حديث، بروح مغربية أصيلة. إنها الحداثة النابعة من الذات التي لا تستعير قالبها الجاهز من الخارج، والأصالة الحية التي لا تتحول إلى محافظة سياسية جامدة أو انغلاق على الماضي. إنها ديمقراطية ترفض القطيعة مع الخصوصيات الوطنية، وهوية حية لا تصبح ذريعة لمقاومة التحديث والإصلاح. في هذه المعادلة الدقيقة، تجلت العبقرية السياسية لمشروع الهمة في بداياته، حيث سعى لبناء مساحة مشتركة تسع تيارات وفعاليات كان يعتقد أنها غير قابلة للالتقاء: مناضلون يساريون سابقون، ليبراليون، وسطيون، أطر تكنوقراطية، نخب ثقافية، وأعيان وممثلون محليون. لم تكن هذه التشكيلة المتنوعة مجرد خليط انتخابي عابر، بل كانت في أصل تصور حركة لكل الديمقراطيين محاولة لبناء جبهة مجتمعية عريضة ملتفة حول رؤية لبناء المغرب الحديث.

من هذا المنطلق، يصبح الاستغراق في مفهوم الأصالة ممر حتمي لإعادة بناء المعنى. فالأصالة التي ينبغي أن يؤسس عليها الحزب مشروعه ليست مجرد ديكور فولكلوري يستدعى في المواسم الانتخابية، ولا استثمار رخيص في المحافظة الاجتماعية التقليدية، ولا استرجاع للماضي في مواجهة تحديات الحاضر. إن الأصالة الحقيقية هي أن يستوعب المغرب ذاته، وأن يستحضر موقع الدين في بنية مجتمعه، ومكانة إمارة المؤمنين كركيزة استقرار ورعاية في نظامه السياسي والروحي، مع الحفاظ الكامل على مقوماته الحضارية. وفي الوقت نفسه، ينبغي فتح الأبواب واسعة أمام قيم الحداثة، وتمكين المرأة، ودعم الحريات، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتحديث الاقتصاد والتعليم. إن هذه العناصر لا تمثل تناقضات في التجربة المغربية، بل هي المكونات الأساسية لمعادلة الاستقرار والتطور.

في هذا السياق المتكامل، يكتسي حديث تمكين المرأة والقيادة النسائية بعد حاسم يمتد إلى جوهر المشروع. إن تداول أسماء قيادية بارزة، وفي مقدمتها فاطمة الزهراء المنصوري، لوظائف قيادية كبرى برئاسة الحكومة أو المؤسسات الدستورية، لا ينبغي أن يعامل كمناورة حزبية أو ورقة انتخابية ظرفية. فإذا كان حزب الأصالة والمعاصرة يحمل في جيناته مشروع الحداثة الوطنية، فإن القضايا المتعلقة بتمكين المرأة تمثل معيار الجدية والصدق المرجعي. إن المرأة المغربية ليست خزان أصوات انتخابي، بل هي نصف المجتمع وشريك مكتمل الأهلية في صناعة القرار. وإن وصول امرأة إلى قيادة السلطة التنفيذية سيكون في حد ذاته اختبار واقعي لمدى نضج الفكرة الحداثية وقدرة الدولة والمجتمع على جعل الكفاءة والمشروعية السياسية والمعيار الدستوري فوق أي موروث محافظ أو تحفظ تقليدي.

إن الهمة الذي تحتاجه المرحلة الحالية وتفرضه ضرورة التصالح ليس الشخص أو الفرد، بل السؤال السياسي الكبير الذي رفعه في بدايات المبادرة: كيف يمكن صياغة مشروع حداثي من داخل البيئة المغربية دون الاغتراب عنها؟ كيف نوسع نطاق الديمقراطية والمشاركة دون السقوط في مواجهات مفتعلة مع هويات المجتمع وثوابته؟ كيف نخلق نخب سياسية وإدارية جديدة تنزع عن العمل السياسي طابع الريع وإعادة تدوير الوجوه؟ وكيف نجعل دولة المؤسسات امتداد طبيعي لتطور المجتمع لا مشروع مسقط عليه من الأعلى؟ هذه هي الأسئلة المرجعية الواردة في أدبيات حركة لكل الديمقراطيين، والتي ينبغي على الحزب إعادة فتحها واستئناف النقاش حولها بكل جرأة ووضوح.

يمتلك حزب الأصالة والمعاصرة كامل الحق في أن يطالب المتابعين والرأي العام بعدم محاكمته استناد إلى أخطاء المرحلة الماضية، أو زلات لسان بعض قيادييه السابقين، أو تصرفات وجوه أضر وجودها بالصورة الجامعة للحزب، أو مشاريع قوانين تسببت في احتقانات مجتمعية وسياسية. ولكن في المقابل، يظل الحزب ملزم بشرط أساسي ومصيري: أن يقدم للمغاربة مشروع واضح يتجاوز ترسبات الماضي، وأن يشرح لهم بجلاء وشفافية معنى الأصالة والمعاصرة بعد مرور نحو عقدين من التأسيس، وأن يثبت بالدليل القاطع أنه ليس مجرد مكينة انتخابية حصدت المقاعد في استحقاقات 2026، بل حاملا لرؤية مستقبلية متكاملة لتدبير الدولة والمجتمع.

إن المصالحة مع مرجعية الهمة السياسية هي بالدرجة الأولى مصالحة الحزب مع أصل نشأته ومع أوراق حركة لكل الديمقراطيين. إنها العودة الصريحة إلى الوثائق التأسيسية التي منحت التجربة تميزها، وإلى النقاشات الفكرية العميقة التي سبقت ولادة الحزب، وإلى الطموح الذي أراد أن يقول للمواطن المغربي: يمكنك أن تكون مغربيا أصيلا وحداثيا في وقت واحد، يمكنك أن تحترم إمارة المؤمنين وأن تدافع عن قيم الديمقراطية ودولة القانون، يمكنك أن تلتزم بخصوصيتك الروحية والثقافية وأن تتفاعل بإيجابية مع عالمية حقوق الإنسان والعلم. إذا قدر للحزب أن يستعيد هذه الفكرة وأن يترجمها إلى برامج وسياسات وعمل ميداني، فإنه يستعيد معناه ووظيفته التاريخية، أما إذا بقي مرتهنا للحسابات الانتخابية التكتيكية والصراعات التنظيمية الضيقة، فإنه يخسر الفكرة التأسيسية التي جعلت وجوده ممكنا في المشهد السياسي الوطني. لقد غادر الهمة التنظيم الحزبي، غير أن مرجعيته الفكرية تظل أفق مفتوح للبام إذا أراد إعادة امتلاك المبادرة والتأسيس لمرحلة جديدة.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫
‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة تمغربيت