عبد الوهاب بارع*
وأنا أشد الرحال في رحلة جديدة إلى عاصمة الأنوار باريس بحاضرها وماضيها الملفوف بسحر القص والروايات الرومانسية والتاريخية، ونفحات الكاتب الفرنسي فيكتور هيكو ورائعته “البؤساء” وهمسات المغنية “إديت بياف” وهي تتغنى بما تحت سماء باريس… خرج إلى خبر البق في باريس.
ذهبت إلى باريس أبحث عن هذا البق الذي تناقلته تدوينات فيسبوكية، ربما أغلبها عن طريق “كوبي كولي” دون عناء التدقيق في الخبر ومصدره ومدى صحته وجديته.. أيعقل أن تهاجم حشرة البق الصغيرة، نظافة الباريسيين والنظام الصارم للعيش في عاصمة الأنوار، وليس فقط المصابيح وسحر وثقل التاريخ، وإنما أيضا العلم والقوة والبنية التحتية التي جعلت المدينة من أقوى العواصم العالمية في كل المجالات.
دخلت بيوت مغاربة قادتهم الأقدار إلى الاشتغال بباريس، ودخلت بيوت مغاربة مزدوجي الجنسية بعضهم ولد بفرنسا، وأيضا دخلت بيوت فرنسيين، أحاول أن أجد تفسيرا منطقيا لقضية “البق”، لعلي أبرر ما تناقلته تدوينات المغاربة في لحظات عصيبة وشد حبل بين فرنسا والمغرب، خاصة حين تجاهل المغرب عرض المساعدات الفرنسية لضحايا زلزال الحوز، واضطرار الرئيس الفرنسي ماكرون صاغرا إلى توجيه خطاب للمغاربة، سابقة تاريخية للسياسة الفرنسية.
لن نعود إلى تدوينة ساخرة، ولا إلى مقطع فيديو ليوتوبر يصف فيه الوضع بالأزمة وأن المواطنين بفرنسا يعيشون ضنك العيش، ويواجهون “البق”، ويتخلصون من أثاثهم بسبب الحشرة الصغيرة التي أرقتهم… كل هذا هراء والله.
المعلوم أن العادة في فرنسا، وعلى غرار العديد من الدول الأوروبية والأمريكية، تعمد إلى تعيين يوم معين للتخلص من الأثاث القديم، والأواني المنزلية وحتى المعدات الإلكترونية والآلات المنزلية، بل وأيضا الألبسة.
قوم لا يؤمنون بتكديس الأشياء غير المرغوب فيها، وبيعها لأصحاب “قراعي البيع” أو طالبي الخردة، بل ليس لديهم الوقت أصلا لإصلاح آلاتهم أو تلميعها أو خياطة ما رتق من أثاتهم، ومباشرة بعد شراء البديل يتخلصون من القديم ولو كان سليما، وليس لأن به حشرة “البق”.
كمية النظافة والتنظيم، والابتعاد عن التلوث الفكري والصوتي تجعلك تغرق في التفكير عن أي بق تتحدثون؟.. لا ولن تسمع في الشارع المكتظ بالسيارات صوت منبه واحد، أو سائقا يسب ويلعن، أو سيارة مرت بسرعة جنونية وتجاهلت إشارات المرور، لن تسمع كلاما قبيحا من طفل ولا من راشد، ولن تجد أحدا يقف في ناصية الزقاق يترقب المارة، الكل قاصد في مشيه، ولا يلتفت وراءه لأن لديه مهمة وغرضا يقضيه، تاركين مهمة البحث عن البق المزعوم للمغاربة أمثالي.
وبعد رحلة طويلة من البحث اكتشفت أنه بالجدية الكبيرة والالتزام بالعمل والانضباط للقوانين في باريس والمدن المحيطة بها تنطبق عليها المقولة المغربية “البق ما يزهق” لأن هؤلاء القوم لا يتركوا شيئا للصدفة، ويقيمون حساباتهم بدقة بدون تأخير ولا تماطل ولا تلكأ، تاركين أقواما أخرى تبحث بين فضلات الأخبار الغامضة عن معنى “البق” الفرنسي، الذي اخترعته تدوينات لا أعتقد أنها تفهم طبائع الفرنسيين وعاداتهم.
* كاتب وصحافي


تعليقات
1