لا شيء في هذا العالم يُترك للمصادفة. الأحداث الكبرى تُفصّل على مقاس الخرائط الجديدة، وتُغزل في أروقة مراكز القرار، وتُنفَّذ بأيادٍ ظاهرها محليّ وباطنها مبرمج بعناية. والمغرب، اليوم، ليس خارج هذا السيناريو. إنه مستهدف، نعم، وبصورة لا تخطئها عين، ومن جهات لم تعد تخجل من خيوطها التي تُحرك العرائس وتدير الحملات وتبثّ الإشارات في العلن والخفاء.
المؤشرات تتراكم. تصعيد مفاجئ، حملات مبرمجة، قضايا تُضخّم في زمن قياسي، وأخرى تُدفن بصمت لافت. ضربات متزامنة تأتي من الخارج والداخل، ترقص على إيقاع واحد، وتستهدف المؤسسات، النسيج الاجتماعي، ثقة المواطن، والأخطر: هيبة الدولة.
في الأيام القليلة الماضية، خرج موقع إعلامي اختار له إقامة بريطانية، بمقال خبيث التركيب عن مشاركة وفد من الجيش الإسرائيلي في مناورات "الأسد الإفريقي". بقلم صحفي قطري متخفٍ، حاول أن يُركّب مشهداً مظلّلاً يجمع بين صورة ضحايا العدوان على غزة والعلم الإسرائيلي المرفوع في المناورات، ليعطي إيحاءً بأن المغرب طرف في العدوان، أو على الأقل شريك في صورة الموت. قبلها، نفس المنصة أثارت موضوع "بواخر السلاح لإسرائيل عبر المغرب"، في محاولة لزرع السخط وتفكيك الرابط التاريخي بين المغاربة وفلسطين. صناعة الكراهية، حين تُموَّل، لا تحتاج كثيراً من الحقائق، يكفيها القليل من البهارات والكثير من النوايا المسمومة.
لكن الهجمات الأخطر ليست دائماً من خارج الحدود. بل تأتي غالباً من الداخل، حيث تصبح التهمة جاهزة، والاتهام لا ينتظر أدلة. اليوم، تكفي تغريدة، أو تصريح، أو حتى تعبير عن تظلّم، ليصبح صاحبه هدفاً مشروعاً للتشهير، والتجريح، والاقتلاع من جذوره.
قاضية مغربية، بعد خمس وثلاثين سنة من خدمة العدالة، تُحاكم بثلاث سنوات سجناً بسبب تسجيل صوتي تشتكي فيه مظلمة عائلية تتعلق بميراث بالمليارات. زلة لسان؟ ربما. لكنها زلة جاءت في سياق إنساني لا يستحق القسوة، خاصة من قضاء يعرف السياقات ويزن الكلمات بميزان العدالة لا بمقصّ التشهير. أما في الجهة الأخرى من المعادلة، فلدينا قضايا أخطر، بشبهات تزوير في شهادات جامعية، وبملف دعم عيد الأضحى الذي تناهز قيمته المليار درهم، يتحدث فيه السياسيون عن فساد صريح. الملف الأول يُفتح على مصراعيه، والثاني ينتظر "توقيع المعني بالأمر" أو الضوء الأخضر من جهة ما، ربما في مكان ما، لا نعرفه ولا نراه.
نعيش زمناً صارت فيه الإشارة تهمة، والتعبير جرماً، والصمت تواطؤاً. من يرفع صوته يتهم، ومن يدافع يُشيطن، ومن يصمت يُتهم بالجبن أو التآمر. إنها محكمة بلا قضاة، أو بقضاة افتراضيين على مواقع التواصل، حيث تُوزَّع الأحكام قبل أن تُفتح التحقيقات.
السؤال اليوم ليس فقط: من وراء كل هذا؟ بل: من المستفيد؟ من له مصلحة في إسكات الأصوات، في تجريم النقد، في تشويه الشرفاء، في ضرب الرموز؟ من الذي يرتعد من الحقيقة ويبحث لها عن فخاخ تُفرغها من معناها؟
ربما من حقنا أن نخاف، لكن ليس من حقنا أن نصمت. فالصمت في مثل هذا السياق ليس حياداً، بل مشاركة صامتة في التخريب. المعركة اليوم لا تُخاض بالسيوف، بل بالأقلام، بالتقارير، بالاتهامات، بالتحوير، وبصناعة "الرأي العام" عن بعد.
المغرب ليس ضعيفاً، لكنه مستهدف. ولا يهدد الأوطان سوى أبنائها حين يتحولون إلى أدوات في يد خصومها. وما أخطر أن تتحول الأقلام إلى خناجر، والمنابر إلى منصات قصف، والعدالة إلى ساحة لتصفية الحسابات.ولنُعد النظر في كل شيء: العدو قد لا يكون على الحدود، بل في ما يُكتب، وما يُحجب، وما يُروّج.
و"ربما من حقنا أن نخاف"... لكن فقط إن اخترنا أن نخرس.

