في وقت يعيش فيه آلاف من منخرطي الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي (كنوبس) حالة من التذمر بسبب بطء الخدمات وتكرار الأعطاب الإدارية والرقمية، يُرتقب أن يشكل قرار دمج هذا الأخير في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) بارقة أمل نحو نظام أكثر فعالية، بشرط احترام الحقوق المكتسبة وضمان عدالة انتقالية في التغطية الصحية.
ملفات تُرجع لأسباب شكلية... وزمن تعويضات يتجاوز المعقول
لا تزال عشرات الآلاف من ملفات التعويض تُرفض يوميًا لأسباب شكلية كان من الممكن تداركها في شبابيك التسلم. أخطاء بسيطة في التوقيع، أو ختم غير واضح، أو نقص ورقة ثانوية تؤدي إلى إرجاع الملف برمّته، في غياب تام لأي عقلنة إدارية أو مرونة معقولة، فس هذا السياق يقول أستاذ من الدار البيضاء:"قدّمت ملف ابني مرتين، وتم إرجاعه بسبب ختم طبي خفيف الوضوح. هل يُعقل أن نُحمّل المواطنين مسؤولية ما لا طاقة لهم به؟"، وتقول أرملة " جئت أبحث عن ملف، بعد جهد، تبين أن الطبيب نسي وضع رقمه المهني... كان الممكن أن يقولوا لس ذلك قبل ثلاث شهور في الشباك، لأصلح الملف"، شاب موظف قريب منها قال ساخرا: " يعتمدون ذلك للتحكم في النفاقات، الأخطاء نعمة لهم، ونقمة لنا..."
هذه البيروقراطية المفرطة لا تعكس فقط غياب مبدأ المواكبة، بل تُضعف الثقة في المؤسسة، وتجعل من الحق في التعويض محنةً يومية.
تعاضدية بلا تواصل... واتفاقيات فولكلورية
من جهة أخرى، لا يجد منخرطو التعاضدية العامة للتربية الوطنية مبررًا مقنعًا لحالة الانفصال الكلي بين واجهاتها الإدارية والواقع. فـالخطوط الهاتفية لا ترد، والمنصة الرقمية إن وُجدت فهي معطّلة أو بلا أثر، بينما تُبشّر الإدارة باتفاقيات شراكة مع عدد من المصحات الخاصة، تبين أنها – حسب شهادات متطابقة – بلا فعالية تُذكر. في هذا الصدد صرحت أستاذة من مكناس:"دخلت مصحة بالدار البيضاء...أعلنوا أنها ضمن الاتفاقيات، فتم إخباري بأنه لا وجود لأي علاقة مباشرة معهم، وطُلب مني دفع المصاريف كاملة. أي منطق هذا؟".
النتيجة: تعاقدات رمزية تُقدَّم كمكسب، لكنها في الواقع لا تُفعّل ميدانيًا، مما يحوّلها إلى دعاية مؤسساتية ملتبسة لا تراعي حاجات المنخرطين ولا واقعهم الصحي والاجتماعي.
أعطاب رقمية وغياب مكاتب القرب... رقمنة مختلة بأموال كثيرة
لا يُخفي المنخرطون استياءهم من المنصة الرقمية الخاصة بـ“كنوبس”، التي تعاني من أعطاب متكررة، في وقت يُفترض أن تُسهّل الإجراءات وتسهم في تقليص آجال الانتظار. والأدهى من ذلك، أن آلاف المواطنين – خصوصًا في القرى والمناطق الهامشية – لا يجدون مكاتب قرب، مما يُلزمهم بالسفر إلى المدن الكبرى لتسليم الملفات يدويًا.
هذا الوضع يُكرّس الفجوة الرقمية والاجتماعية، ويضرب مبدأ تكافؤ الفرص في الاستفادة من الخدمة الصحية.
CNSS: بارقة أمل... لكن بشروط
مع المصادقة على مرسوم دمج كنوبس في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS)، يتطلع الكثيرون إلى تجاوز هذه الأعطاب البنيوية. ويستند هذا الأمل إلى تجربة CNSS في:
رقمنة العمليات وتوفير تتبع لحظي للملفات.
تسريع صرف التعويضات مقارنة بكنوبس.
التواصل المؤسسي الفعّال عبر الهاتف والمنصات.
القرب الخدماتي
الشفافية وسرعة التعويض
شبكة وكالات وطنية متقدمة، من ضمنها وكالات خدمات متنوعة.
تعاقدات فعلية مع مصحات معروفة، تُطبَّق على الأرض.
لكن هذا الانتقال لا ينبغي أن يتم على حساب المنخرطين، بل يشترط الحفاظ الكامل على المكتسبات السابقة، خصوصًا نسب التعويضات، والتغطية المستمرة للملفات قيد الإنجاز، وضمان عدم التراجع في نسب التحمل أو تعقيد الإجراءات.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من احترام المواطن
ما يحتاجه رجال ونساء التعليم، وكافة المنخرطين، ليس فقط مؤسسة جديدة أو غلافًا إداريًا مختلفًا، بل رؤية جديدة تُنصت إليهم، تُبسّط المساطر، وتُوفّر القرب الحقيقي، لا القرب الشعاراتي.
ويظل الدمج فرصة ذهبية لإعادة الاعتبار لمبدأ الخدمة العمومية الصحية كحق وليس امتيازًا. غير أن أي فشل في هذا الانتقال قد يُفرغ العملية من مضمونها، ويُعيد إنتاج الأعطاب السابقة بشكل جديد.
إذا كان من درس يمكن استخلاصه من تجربة كنوبس وتعاضدية التربية الوطنية مثلا تاريخيا، فهو أن غياب المحاسبة، زراهنيا إغلاق قنوات التواصل، وغياب خدمة القرب الحقيقي، يُفقد المواطن الثقة في مؤسسة يُفترض أن تحميه في لحظات الحاجة... إن سجلات الفساد والمحاكمات، تطرح قضية القطع من التعاضديات القطاعية، فبعضها غدا ضيعة خاصة وهذا ما أكدته محاكمات سابقة أومرفقا نقابيا، والتحول نحو صيغة " التغطية التكميلية" بنفس الشروط والمكتسبات... هو المخرج من نظام التعاضديات المضطرب القيم وغير المهني التدبير.
إن دمج كنوبس في CNSS لا يجب أن يكون مجرد دمج هيكلي، بل فرصة لتأسيس منظومة حماية صحية عادلة، شفافة، وفعّالة، تُعيد ربط جسور الثقة مع المواطنين، وتقطع مع منطق التماطل والمراسلات الصماء... البحث الدقيق عن ممتلكات التعاضديات، لابد أن يشمل مصير ما كان يعرف ب " مصحة بنكيران، لوضع الرأي العام التعاضدي... كيف اختفت.... وما مصيرها....؟
الرهان الآن: هل تنجح الدولة في تحويل هذا الدمج إلى نقلة نوعية... أم سنُعيد إنتاج البيروقراطية نفسها في عباءة رقمية جديدة؟

