جريدة تمغربيت|24 ساعة

أكادير: حين تبادر السلطة الترابية: أمزازي ينعش دماء مدينة الابتكار

Saaid-Amzazi-780×470

في قلب أكادير، وتحت شمس الأمل لا تزال تؤمن بقدرة الإنسان على مغالبة التحدي، بإشراف رجال لفتيت الأوفياء للرؤية الملكية في التنمية الرقمية، ورش الدولة الاستراتيجي، التأم جمع من الحالمين بالممكن، في الدورة السادسة عشرة للجنة الجهوية لمدينة الابتكار سوس ماسة، صباح الخميس 26 يونيو 2025.

لقاء لم يكن عابرًا في تقويم رسمي، بل محطة تنبض بالحياة، نُظمت برعاية والي جهة سوس ماسة، عامل عمالة أكادير إداوتنان، سعيد أمزازي، وبحضور وجوه وازنة من عالم الاقتصاد، والجامعة، والاستثمار، والتكنولوجيا، من بينهم لمياء بنمخلوف، المديرة العامة لتكنوبارك المغرب، وكنزة كسيب، مديرة المركز الجهوي للاستثمار، وفتح الله غادي، نائب رئيس جامعة ابن زهر، إلى جانب شركاء من مجلس الجهة وغرفة التجارة والصناعة والخدمات.

لكن جوهر الحدث لم يكن في البروتوكول، بل في حرارة العقول، ودفء الأمل، ونبض الشباب وهم يعرضون أفكارهم كأنها رسائل إلى الغد.

رؤية الوالي... حين يصير الإداري رفيقًا للطموح

كان أمزازي حاضرًا لا كمتفرج يراقب، بل كفاعل يسمع بنَفَس تربوي، ويناقش بعين رجل الدولة، ويستقبل الحالمين كمن يصافح المستقبل. لم يكن حضوره مجرد تمثيل لسلطة ترابية، بل إشارة عميقة على أن المغرب الرسمي قرر أن يكون شريكًا مباشرًا في صناعة التحول، لا مجرد حارسٍ له.

ولمن عرف مسيرته، يعلم أن هذا التوجه ليس طارئًا. فالرجل القادم من قلب التربية والتعليم، حيث تصقل العقول وتصنع الأجيال، ما فتئ يؤمن بأن التنمية لا تبدأ من المشاريع فقط، بل من الثقة في العقول الشابة، ومن صناعة المناخ الحاضن للفكرة حتى تصير منتجًا وواقعًا.

إنه صوت إداري نادر، يعرف أن الإصغاء قيمة حاكمة، وأن المواكبة ليست حشدًا للقرارات، بل صبرٌ على التفاصيل، ورعاية للمسار لا للمظهر.

حين تتحوّل العروض إلى قصائد تنموية

توالت العروض، لكنّها لم تكن مجرد ملفات تقنية، بل ملاحم صغيرة تروي علاقة الإنسان بالماء، بالزرع، بالبحر، وبالحيوان. قدم اليزيد سيتلي مشروعه "Mobile Water Skid"، حلًا ذكيا لمعالجة المياه، لا من أجل الربح فقط، بل لأجل حفظ ما تبقى من الحياة. وجاء أيوب البوزاري بفكرة "Smartegg"، حضانة ذكية للبيض، توظف التقنية في أبسط عناصر الطبيعة.

ثم تحدث اليزيد السباب من قلب الموج، وقدم مشروع "Captain Sea" لتحديث معدات مهنيي الصيد، كما لو أن البحر صار حليفًا للتكنولوجيا. أما أنس بنيس، فغرس مشروعه "Farmroad" في الأرض لتثمر مردودية، مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وطرح أشرف أكنزال فكرته "Boviclouds"، حيث تربية المواشي تتكئ على رقمنة دقيقة، تراعي الصحة، الإنتاج، والاستدامة.

ليست هذه المشاريع مجرد اختراعات، بل انعكاسٌ حيّ على أن الجهة بدأت تُنجب حلولها بنفسها، وتخاطب تحدياتها بلغتها، وتكتب قصتها التنموية بحروفها الذاتية.

مدينة الابتكار... حين تصبح الفكرة مواطنة

الاجتماع لم يكن استعراضيًا. كل ركنٍ فيه كان يشير إلى عمل مؤسساتي تراكمي، إلى حاضنات فعالة، إلى تقاطعات بين الجامعة والجهة والإدارة. فـمدينة الابتكار سوس ماسة لم تعد عنوانًا نظريًا، بل منصة اشتغال حقيقية، حيث تلتقي اليد العالمة بالعقل الفاعل، وحيث لا يشعر حامل المشروع أنه يتيم في مواجهة البيروقراطية، بل ابنٌ لجهة تؤمن به.

هذه الدينامية المتصاعدة، التي واكبتها اللجنة الجهوية منذ تأسيسها، جاءت اليوم تؤكد أن سوس ماسة تمشي بثبات نحو نموذج تنموي يزاوج بين الأصالة والمعرفة، وبين العمق الاجتماعي والانفتاح التقني.

من الإدارة إلى الشراكة: درس في العمل العمومي

ما حدث في هذا اللقاء ليس فقط احتفالًا بالأفكار، بل نقلة في مفهوم الإدارة. ذلك أن الوجوه التي حضرت، والخطاب الذي رافق الحدث، والمخرجات التي صيغت، كلها تشير إلى أن المغرب بصدد التحول من منطق الرعاية التقليدية، إلى منطق الشراكة الإنتاجية مع المواطن والمقاول والمبتكر.

إن دور أمزازي هنا يتجاوز التسيير الترابي، ليصير علامة على تحول في فلسفة الدولة نحو منطق القرب العملي، لا القرب الشكلي. حضور المؤسسات، دعم الجامعات، مواكبة حقيقية من المركز الجهوي للاستثمار، كلها ملامح تؤكد أن التنمية الجهوية لم تعد شعارًا، بل عملية معقدة تشارك فيها كل الحساسيات والقطاعات.

لم تخرج سوس ماسة فقط بمشاريع مبتكرة، بل بثقةٍ مجددة في أن التغيير ممكن حين تتظافر النوايا. بدا واضحًا أن الجهة بدأت تكتسب سيادتها الاقتصادية ببطءٍ جميل، وأن الحالمين لم يعودوا غرباء عن المؤسسات، بل شركاء حقيقيين في إعادة تشكيل وجه المغرب.

في أكادير، لم يُلقَ الضوء فقط على ما أنجز، بل على ما يمكن أن يصير، إذا وُجدت الرعاية، وإذا وُجد مثل أمزازي: رجل يعرف أن الإدارة، حين تُشبه الناس، تصبح وطنًا مصغرًا للحلم...

 

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

1
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة تمغربيت