حين انكسرت إمبراطورية الفساد: الدرس الإيطالي: الفساد ليس قدرا أبديا

Last Update :
حين انكسرت إمبراطورية الفساد: الدرس الإيطالي: الفساد ليس قدرا أبديا
مولاي عبد الله الفيلالي

الفساد يشبه الظلال الطويلة في المساء؛ يتمدد ببطء حتى يظنّ الناس أنه أبدي. يختبئ خلف القوانين، يلوّن نفسه بشعارات المصلحة الوطنية، ويستند إلى تحالفات متشابكة من المال والسياسة. لكن، كما أثبتت إيطاليا في التسعينيات، فإن لحظة الحقيقة قد تأتي من رجل واحد يقرر ببساطة أن يقول: كفى.

في ميلانو، كان قاضٍ شاب نسبيًا يُدعى أنطونيو دي بييترو يطارد خيوط قضية رشوة عابرة. ما بدا تفصيلًا عابرًا في البداية انكشف سريعًا كأنه خريطة سرية لدولة موازية. شبكة فساد متشعبة تطال كل المستويات: وزراء يبيعون القرارات، رجال شرطة يحمون الصفقات، جنرالات يباركونها بصمت، ورجال أعمال يتقاسمون الغنائم مع المافيا والجماعات الماسونية.

عندما أدرك دي بييترو حجم الوحش الذي يواجهه، لم يتراجع. اتخذ القرار الذي وصفه البعض آنذاك بالانتحاري: ضرب النظام في قلبه.

أطلق عملية "الأيادي النظيفة"، فاهتزّت إيطاليا كما لو أن زلزالًا سياسياً ضربها. خمسة آلاف شخص أوقفوا، بينهم ألف مسؤول من قلب الدولة، وصولًا إلى رئيس الوزراء الذي فرّ إلى تونس حيث مات وحيدًا. فجأة اكتشف الإيطاليون أنهم كانوا يعيشون داخل مسرح ضخم للفساد المقنّن.

الشوارع لم تصمت. خرج الناس يهتفون للقاضي الأربعيني كما لو كان لاعب كرة يسجل هدفًا في الوقت القاتل: "دي بييترو جعلنا نحلم". لقد لمس في وجدانهم فكرة بسيطة وعميقة: أن العدالة ممكنة إذا تحررت من الخوف. كان يردد مازحًا: "الفساد يشبه زواج المصلحة. إذا كسرت المصلحة، انقلب الأزواج أعداء، ودمّر بعضهم بعضًا". وحقًا، انهارت أحزاب تاريخية عمرها أربعون عامًا، وسقطت الجمهورية الإيطالية الأولى التي وُلدت بعد الحرب العالمية الثانية، معلنة ميلاد جمهورية ثانية.

هذه التجربة تقدم درسًا للعالم: الفساد ليس قدرًا أبديًا، لكنه كائن هشّ حين يُحاصر بالعدل والشجاعة الشعبية.

إنه كتحالف مصلحي مؤقت، ينفرط عقده بمجرد أن يفقد غطاءه السياسي. ولعل القاعدة الذهبية التي خرج بها الإيطاليون تصلح لكل أمة تعاني من ذات الداء: الفساد تصنعه المصالح، يحميه الخوف، ويهدمه العدل حين يتحرر من القيود.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الأخبار العاجلة

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...Learn More

Accept