جريدة تمغربيت|24 ساعة

لفتيت ينزل خارطة الطريق الملكية لانتخابات 2026: المحاسبة بلا هوادة

laftit

لم يكن قرار المحكمة الإدارية بالدار البيضاء، يوم الثلاثاء 12 غشت 2025، بعزل بوشعيب طه من رئاسة المجلس الجماعي لبوسكورة، حدثًا معزولًا عن سياقه الوطني، ولا تفصيلًا إداريًا يذوب في أرشيف القضاء. فالقرار، الصادر تحت رقم 2025/7107/6284، والمشمول بالنفاذ المعجل، أسدل الستار فجأة على مسار رئيس منتخب، وأوقف مهامه في لحظة قانونية حاسمة، استندت إلى تقارير تفتيش دقيقة رصدت ما سُمِّي بـ"اختلالات جسيمة" في تدبير المال العام، وإدارة المرافق، والتعامل مع ملفات حساسة كالتعمير وجبايات الجماعة.

لكن القصة لا تنتهي عند حدود نص الحكم، ولا في هوامش محاضر المفتشين. فالتوقيت، والسياق، والخلفية السياسية، كلها عناصر تجعل هذا العزل علامة على مرحلة سياسية جديدة، تتجاوز بوسكورة نحو فضاء وطني مشحون بترتيبات ما قبل انتخابات 2026.

فقبل أسابيع قليلة، كان عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، قد جمع قادة الأحزاب السياسية في لقاءات تشاورية، قدّم خلالها مداخلة مكتوبة تشبه ميثاقًا غير معلن لقواعد اللعبة القادمة، قوامه الصرامة في ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتطهير التدبير المحلي من كل شائبة قبل دخول موسم الاقتراع.

 

في هذا الصدد، يبدو الحكم القضائي وكأنه أول تجسيد عملي لذلك الخطاب.

لا فرق هنا بين منتخب ينتمي للمعارضة أو آخر يجيء من قلب الأغلبية، فبوشعيب طه عضو بحزب الاستقلال، إلى جانب نائبه من الحزب نفسه، ونائب آخر من التجمع الوطني للأحرار، ومستشار من الأصالة والمعاصرة، وكلها أحزاب في صلب التحالف الحكومي. الرسالة إذن تتجاوز الإقليم: الامتيازات السياسية لم تعد درعًا واقيًا من المساءلة، والأغلبية ليست حصانة ضد العزل.

هذه الإشارة تكتسب وزنًا مضاعفًا حين تقترن بصورة وزارة الداخلية، التي لن تكتفي بدور سلطة رقابية على الجماعات بل تتحول إلى فاعل تنفيذي مباشر في ملفات وطنية كبرى.

من بينها ملف "استعادة القطيع الوطني" في سياق أزمة غذائية، وهو ورش أوكل مباشرة للوزارة بتنفيذ توجيهات ملكية، ما رسّخ الانطباع بأنها لم تعد مجرد حكم بين الأطراف، بل غرفة قيادة تدير ملفات تمس الأمن الغذائي والاقتصادي، وتراقب في الوقت ذاته سلوك المنتخبين.

 

وبقدر ما يوحي "النفاذ المعجل" في الحكم القضائي بسرعة البتّ وحسم الموقف، بقدر ما يفتح نقاشًا سياسيًا حول مآلات هذه الصرامة: هل هي تأسيس لثقافة جديدة في الحكم المحلي، أم خطوة ضمن سلسلة إعادة ترتيب المشهد قبل الانتخابات؟ فالقرار قطع الطريق على أي مماطلة أو مناورة إجرائية، وفرض واقعًا جديدًا على جماعة بوسكورة التي وجدت نفسها في فراغ قيادي مؤقت، بانتظار إعادة تنظيم هياكلها الإدارية والسياسية.

في المغرب، لا تمر القرارات الكبرى بمعزل عن حسابات التوقيت. فنحن أمام أقل من عامين على استحقاق وطني حاسم، والسلطة المركزية تبدو حريصة على رسم المشهد الانتخابي بإزالة ما تعتبره "شوائب" في التدبير المحلي.

وإذا استمر هذا النهج بنفس الوتيرة، فقد يعيد رسم الخريطة السياسية قبل حتى أن يذهب الناخبون إلى صناديق الاقتراع. فالعزل لا يغيّر وجوهًا في مكاتب الجماعات فقط، بل يغيّر موازين القوى على الأرض، ويضعف شبكات النفوذ التي تستمد قوتها من حضورها المحلي.

لكن يبقى الحد الفاصل بين إصلاح حقيقي وانتقائية سياسية، هو ما سيحدد مصداقية المسار. فالقضاء الإداري يستند إلى نصوص واضحة وتقارير موضوعية، لكن اختيار الملفات، وتوقيت إحالتها، وسرعة تنفيذ الأحكام، كلها عناصر تفتح الباب أمام التأويل. قد يرى البعض في موجة العزل القادمة – إن وُجدت – خطوة في سبيل تخليق الحياة العامة، بينما قد يراها آخرون عملية "هندسة" انتخابية لإعادة توزيع النفوذ وفق معايير الدولة لا صناديق الاقتراع.

بوسكورة، بما تمثله من جماعة حضرية على هامش العاصمة الاقتصادية، تحولت فجأة إلى عنوان لمرحلة سياسية تُختبر فيها قدرة الدولة على فرض الانضباط من فوق، وقدرة الأحزاب على إصلاح ذاتها من الداخل.

فالمطلوب من الهيئات السياسية الآن ليس الدفاع الأعمى عن أعضائها، بل تقديم كشف حساب للرأي العام، يتضمن الاعتراف بالخروقات حيث وجدت، ووضع خطط واضحة لتفادي تكرارها.

وفي العمق، نحن أمام سؤال أكبر من حدود جماعة واحدة: أي نموذج للحكم المحلي يريد المغرب ترسيخه قبل دخول العقد المقبل؟ هل هو نموذج يترك للأحزاب حرية إدارة شؤونها وانتقاء مرشحيها مهما كانت سجلاتهم، أم نموذج تفرض فيه الإدارة المركزية، بأدواتها القضائية والرقابية، معاييرها الخاصة في اختيار من يمثل المواطنين؟ الإجابة ليست سهلة، لأن التجربة المغربية لطالما حاولت المزاوجة بين الانفتاح السياسي والرقابة الإدارية، لكنها اليوم تبدو مائلة أكثر نحو هيمنة المركز على التفاصيل.

 عزل بوشعيب طه ليس نهاية قصة، بل بدايتها. فهو يمهّد لمرحلة قد تشهد المزيد من القرارات المشابهة، وقد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب الخريطة السياسية بيد الإدارة قبل أن تفعلها صناديق الاقتراع.

ما ستكشفه الأشهر المقبلة هو إن كان هذا المسار سيقود حقًا إلى حكم محلي نزيه وشفاف، يقطع مع إرث سوء التدبير، أم أنه سيبقى أداة ظرفية لتأمين انتخابات على مقاس توازنات الدولة، لا على مقاس إرادة الناخبين. في كلتا الحالتين، فإن ما جرى في بوسكورة لن يبقى حدثًا محليًا، بل سيتردد صداه في كل جماعة ومقاطعة ومدينة تستعد لدخول اختبار 2026.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

1
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة تمغربيت