دخل المغرب ابتداء من يوم 22 غشت 2025 عهداً جديداً مع الشروع في تطبيق قانون العقوبات البديلة رقم 43.22، في خطوة وُصفت من قبل الحكومة الحالية بأنها إنجاز نوعي لوزير العدل عبد اللطيف وهبي.
غير أن التدوينة التي نشرها وزير العدل الأسبق المصطفى الرميد في المناسبة، جاءت لتنسف هذه الرواية الرسمية وتسحب البساط من تحت أقدام وهبي، مؤكدة أن القانون ليس من عمل هذه الحكومة ولا من إنتاج وزيرها، وإنما ثمرة مسار تشريعي قديم شارك هو في هندسته.
الرميد، في مقالته على الفايسبوك الذي حمل عنوان "العقوبات البديلة: مقتضيات وملاحظات"، أوضح أن الفكرة ليست وليدة اللحظة، بل رافقت النقاش الحقوقي المغربي منذ المناظرة الوطنية حول السياسة الجنائية بمكناس سنة 2003، وتكرست في ميثاق إصلاح منظومة العدالة لسنة 2013، ثم وردت بشكل صريح في الخطاب الملكي يوم 30 غشت 2009.
وأضاف أن وزارته عملت على إدماجها في مسودة مشروع القانون الجنائي لسنة 2016، كما تضمنتها مسودة قانون المسطرة الجنائية لسنة 2015، قبل أن تعمد الحكومة الحالية إلى سحب هذه المشاريع، وإعادة تجميعها بعد إدخال تعديلات طفيفة، ثم تنسبها لنفسها.
ولم يكتف الرميد بهذا التوضيح التاريخي، بل وجه نقداً صريحاً لبنية القانون، مبرزاً أن العقوبات البديلة تقتصر على الجنح التي تقل عقوبتها عن خمس سنوات، ولا تشمل الجرائم الجنائية الكبرى، مع وجود ثمانية استثناءات، على رأسها الإرهاب وغسل الأموال والرشوة والاختلاس.
ومع ذلك اعتبر أن استثناء الإرهاب لم يكن موفقاً، لأن طبيعته الجنائية تجعله خارج نطاق البدائل أصلاً، باستثناء حالات محدودة مثل الإشادة بالأفعال الإرهابية. وانتقد بدوره السماح بخضوع جريمة الاتجار في المخدرات لنظام البدائل، معتبراً ذلك تهديداً لأمن المجتمع، فيما رأى أن جرائم الغدر والتبديد والاختلاس كان أولى أن تُستبدل فيها العقوبة السجنية بغرامات مالية مضاعفة تعود بالنفع على الدولة والمجتمع.
كما حذّر الرميد من أن القانون، مهما كان متقدماً، قد يفقد قيمته إذا لم يُنفّذ بحزم وجدية من طرف القضاء والنيابة العامة وقضاة التنفيذ وإدارة السجون.
ولفت إلى مخاطر التراخي والتواطؤ الإداري الذي قد يحول عقوبة العمل للمنفعة العامة إلى مجرد حبر على ورق، داعياً إلى تكوين مهني وتحسيس واسع لضمان التطبيق الفعلي، وإلى مراجعة مسألة الإبقاء على عقوبة الحبس الموقوف التنفيذ التي قد تربك عمل القضاء في ظل العقوبات البديلة.
بهذا الموقف، لم يكن الرميد بصدد تقديم قراءة قانونية تقنية فحسب، بل وجّه رسالة سياسية واضحة، أعاد من خلالها تثبيت موقعه وموقع حزب السابق في هندسة الإصلاحات الكبرى.
وفي السياق ذاته جرّد وهبي والحكومة الحالية من شرعية الادعاء بالسبق. فالرسالة الصريحة أن العقوبات البديلة ليست إنجازاً لحظةً عابرة، بل حصيلة تراكم مؤسساتي وسياسي ساهم فيه منذ سنوات، وأن ما فعلته الحكومة الحالية لا يتجاوز استثمار جهد سابق لصالح رصيدها السياسي.
إنها لحظة تُحوّل النقاش من مجرد حدث قانوني إلى معركة رمزية حول من يملك شرعية الإصلاح في المغرب، بين وزير سابق يذكّر بدوره في صياغة النصوص، ووزير حالي يسعى لتسويق القانون كعلامة فارقة في عهده.

