لا نختلف أنه رغم التحولات الإصلاحية الكبرى تحت قيادة الملك، وبسبب ضعف النخب الحزبية والسياسية وعدم قدرتها على أن تكون في قلب الإصلاح الملكي المؤسساتي، مازالت العملية الانتخابية تعاني من اختلالات سياسية وحزبية عميقة، تعكس احتكار بعض النخب المالية والقبلية للمشهد السياسي وحتى المعطى الجديد المتعلق بالتغول الانتخابي الأسري والتوريثي، مع استمرار الزعامات خارج الضوابط الديمقراطية وقيم التناوب في تدبير الحياة السياسية والنقابية.
الرهان المالي هو الحاسم مع الأسف في الانتخابات، وتداخل المصالح بين السلطة والسياسة.. من هنا تبرز مسؤولية السلطة في الخروج من ثقافة الحياد السلبي... وتنزيل تعلميات الملك دون توهم بوجود سلطة أعلى موجهة للسياسات الكبرى غير الملك رئيس الدولة.
هذه الاختلالات تؤدي إلى ضعف تمثيل المواطنين، تقليص فرص التجديد السياسي، وترك العملية الانتخابية عرضة للاستغلال من قبل اللوبيات والتكتلات المالية والتجارية. ويزيد من تعقيد المشهد ما يعرف بالحياد السلبي للسلطة، حيث تكتفي المؤسسات بعدم التدخل بدل اتخاذ إجراءات إيجابية لضمان نزاهة الانتخابات وحماية تكافؤ الفرص.
هذا الحياد يسمح باستغلال الفقر والموارد الحكومية لتحقيق مكاسب انتخابية، ويعزز استمرار الزعيم الأبدي، ويدعم السيطرة لنخب بائدة بلا شرعية سياسية حقيقية ولا شعبية على الدوائر الانتخابية، بينما يبقى الفاعل السياسي الذي لا رأسمال له غير الفكر والشباب وممثلو الطبقات الشعبية خارج التأثير الفعلي على العملية الديمقراطية.
سياق أصيب بعدواه حتى أحزاب تاريخية ديمقراطية الخطاب، بل حتى من يزعم أنه أنه أصل اليسار، تحول لمنطق الزعامة الأبدية... والبحث عن المقاعد للوصول للسلطة... مما أفقد كل خطاب حزبي الشعبية والدعم، ووسع العزوف السياسي.
وفي هذا السياق، تتجدد الثقة في الملكية المغربية لتكون الضامن الشرعي والأخلاقي لقيادة الجيل الثاني من الإصلاحات الانتخابية.
إذ يرى المواطنون أن إشراف الملكية على هذه الإصلاحات يوفر الثقة والشرعية اللازمة لإنهاء الاحتكار المالي للانتخابات، وضمان حياد إيجابي للسلطة، وتحقيق انتخابات شفافة وعادلة.
ويشمل ذلك إشرافا مباشرا على تطوير القوانين الانتخابية، تنظيم الهيكلة الانتخابية، ضمان تكافؤ الفرص بين جميع الفئات، وإشراك جيل جديد من رجال ونساء السلطة بعيدين عن الولاءات الحزبية التقليدية.
وتشمل المقترحات إشراف وزارة الداخلية بالتعاون مع السلطة القضائية على جميع مراحل الانتخابات، مع الرقابة على تسجيل المترشحين وإدارة الحملات الانتخابية ومراقبة التصويت وفرز الأصوات، وفتح آليات للطعن والمراقبة القانونية الفورية، بما يحد من تغول المال والأغراض والفساد، وتأثير الزعامات المالية ذات الغواية الاجتماعية.
كما تشمل هذه الإصلاحات الرقمنة الكاملة لعمليات الاقتراع مع تركيب كاميرات مراقبة في المكاتب وبث عملية الفرز رقميًا، وهو ما يعزز الشفافية ويقلل الأخطاء البشرية والتلاعب، مستفيدا من التجارب الدولية مثل نظام الاقتراع الإلكتروني في إستونيا.
ويشمل الإصلاح أيضا وضع شروط صارمة للمرشحين، مثل استبعاد كل من له سوابق قضائية أو إدارية، واشتراط مستوى تعليمي رفيع وفق طبيعة الانتداب، وإلزام الأحزاب بولايات محددة في الزمان، مع منع الجمع بين أكثر من انتداب لضمان عدم تمركز المهام، ومنع احتكار سلطة التدبير المحلي والمركزي، إضافة إلى منع الجمع بين مسؤوليات انتخابية متعددة والقطع مع الزعيم الأبدي، والتمثيل النقابي غير الفعال، والحد من تمثيل المتقاعدين في النقابات ومجلس المستشارين. هذا يعزز التجديد السياسي ويضمن دخول قيادات جديدة للعملية الانتخابية، بما يحد من تأثير الاحتلالات الحزبية والإقليمية على النتائج.
ويرتبط ذلك بإصلاح الهيكلة الانتخابية عبر إلغاء اللوائح الريعية، وتقليص برلمان الأسر، ودراسة إمكانية إلغاء الغرفة الثانية لتخفيف التعقيد وتحسين التمثيل، بما يضمن تكافؤ الفرص بين الأحزاب الصغيرة والمستقلين ويقلل النفوذ غير الديمقراطي للأحزاب الكبرى. كما يضمن توزيع المقاعد الانتخابية وفق معايير عادلة تمنع الاستحواذ الحزبي على الدوائر المهيمنة.
وتتضمن الإصلاحات أيضا إبعاد الحكومة عن التدبير المالي والإداري قبل الانتخابات لستة أشهر على الأقل والاكتفاء بالتصريف الروتيني للمهام، مع منع استغلال المال العام أو الموارد الحكومية لصالح حملات انتخابية محددة، وفتح ملفات الفساد ضمن سياق قضائي صارم قبل الانتخابات لضمان النزاهة ومكافحة أي اختلالات سياسية أو حزبية، مع فرض عقوبات صارمة على أي جهة تحاول استغلال الحاجة لتحقيق مكاسب انتخابية أو استخدام وسائل الدولة ورموزها خلال الحملات الانتخابية.
كما تشمل الإصلاحات التحقق من ذمة المترشح والإفصاح الكامل عن ممتلكاته ومصالحه المالية لضمان مصداقية الترشيح ومنع تضارب المصالح، وتعزيز الرقابة القضائية والإدارية على أهلية الترشيح، بما يمنع وصول الفاسدين إلى مراكز القرار ويحد من الاستحواد المافيوزي على السلطة السياسية.
وفي هذا السياق يؤكد المواطنون على ضرورة إشراك منظمات المجتمع المدني في مراقبة الانتخابات، وإنشاء منصات إلكترونية لتقديم الشكاوى ومتابعة العمليات الانتخابية، وحملات توعية وطنية لتعريف المواطنين بحقوقهم الانتخابية، لضمان إشراك فعلي ومباشر لهم في الرقابة على نزاهة العملية الانتخابية وتقوية المشاركة الشعبية في مواجهة الاحتكار الحزبي والإقليمي.
ويشمل الإصلاح الحد من تأثير المال والسلطة عبر منع استغلال العوز والموارد الحكومية لتحقيق مكاسب انتخابية، وتجفيف منابع التمويل غير القانوني للحملات، مستفيدًا من التجارب الدولية مثل ألمانيا والسويد التي تفرض قيودًا صارمة على التمويل والهدايا لضمان تكافؤ الفرص.
ويشمل التحضير لما بعد الانتخابات متابعة التزام المنتخبين ببرامجهم ومسائلة المسؤولين أمام المواطنين والمجتمع المدني، مع توفير آليات مساءلة مستمرة لضمان التقييم المستمر للأداء البرلماني والحكومي، وضمان التزام الأحزاب بتنفيذ برامجها ورفع مستوى النزاهة في المؤسسات السياسية.
إن معالجة الاختلالات السياسية والحزبية في المغرب تتطلب إرادة وانخراط حزبي حقيقي ومصداقية شرعية لضمان حياد إيجابي للسلطة، وضع شروط صارمة للترشح، الحد من احتكار الأحزاب والزعيم الأبدي، تعزيز الرقابة الرقمية والمشاركة المدنية، منع استغلال المال والموارد العامة، ومساءلة المسؤولين بعد الانتخابات.
ويشكل إشراف الملكية المغربية على الجيل الثاني من الإصلاحات الانتخابية ضمانة لإعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتحقيق انتخابات عادلة وتكافؤ الفرص، بما يعزز مشاركة الشباب والمستقلين، ويقوي مؤسسات الدولة أمام أي اختلال حزبي أو سياسي مستقبلي، ويعيد البناء الديمقراطي لمؤسسات البلاد وفق معايير شفافة وعادلة.


تعليقات
1التعليقات مغلقة.