رغم صدور القرار الاستئنافي، لا تزال معركة ضحايا «باب دارنا» مفتوحة، في انتظار استرجاع أموالهم وتفعيل الضمانات القانونية الكفيلة بجبر الأضرار التي لحقت بهم.
لم يُنهِ صدور قرار غرفة الجنايات الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، بتاريخ 5 نونبر 2026، في القضية المعروفة إعلامياً بـ«باب دارنا»، معاناة الضحايا، كما لم يضع بالضرورة حداً لمعركتهم من أجل استعادة حقوقهم المالية والتعويض عن الأضرار التي تكبدوها على امتداد سنوات.
فالقضية التي تُعد من أبرز ملفات النصب العقاري التي عرفها المغرب، تشير المعطيات المتداولة بشأنها إلى تضرر أكثر من ألف ضحية، وخسائر مالية تتجاوز 80 مليار سنتيم، أي ما يفوق 800 مليون درهم. وهي أرقام تعكس حجم الملف، لكنها لا تختزل وحدها أبعاده الإنسانية والاجتماعية.
فخلف هذه المبالغ توجد مدخرات سنوات طويلة، وأسر وضعت آمالها في امتلاك مساكن، ومشاريع حياة انهارت، وثقة استُثمرت في معاملات كان يُفترض أن تحظى بالحماية القانونية والضمانات المؤسساتية اللازمة.
وبالنسبة إلى الضحايا، لم تكن الغاية من اللجوء إلى القضاء مجرد إقرار المسؤوليات الجنائية وترتيب العقوبات، بل كان الرهان الأساسي يتمثل في استرجاع الأموال التي فقدوها، والحصول على تعويض منصف عن الأضرار التي لحقت بهم. ذلك أن العدالة لا تكتمل بمجرد صدور الأحكام، وإنما تتجسد أيضاً في القدرة على تحويل الحقوق التي تقررها المحاكم إلى حقوق قابلة للاستيفاء والتنفيذ.
وفي هذا السياق، يرى دفاع عدد من ضحايا القضية أن ما تحقق إلى حدود هذه المرحلة لا يزال دون مستوى انتظارات المتضررين، الذين انتظروا سنوات طويلة أملاً في إنصاف يعيد إليهم حقوقهم ويخفف من تبعات الأضرار التي لحقت بهم.
ومن بين النقاط القانونية التي يواصل الدفاع إثارتها، مسألة البحث في مسؤولية مختلف الجهات التي قد يثبت قانوناً إسهامها في وقوع الضرر أو قيام التزام عليها بضمان التعويض، بما في ذلك الجهات المعنية بالضمان المهني، وعلى رأسها صندوق ضمان الموثقين، بالنظر إلى أن أحد المتهمين الرئيسيين في القضية كان يمارس مهنة التوثيق أثناء ارتكاب الأفعال موضوع المتابعة.
وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة مهنة التوثيق، القائمة على الثقة والمصداقية والأمن التعاقدي، باعتبارها إحدى الآليات القانونية المفترض أن تحمي حقوق المتعاملين وتصون استقرار معاملاتهم.
كما يستند دفاع الضحايا في هذا الإطار إلى قرار محكمة النقض، الصادر بجميع غرفها بتاريخ 13 يناير 2026، تحت عدد 46، في الملف رقم 2022/12/6/25648، والمتعلق بإمكانية إدخال صندوق ضمان الموثقين في الدعوى المدنية التابعة باعتباره ضامناً احتياطياً، وفق الشروط والضوابط القانونية المعمول بها.
ويفتح هذا الاجتهاد القضائي، بحسب القراءة القانونية التي يتمسك بها الدفاع، النقاش حول مدى فعالية منظومة الضمان المهني، وحدود الحماية التي توفرها للمتضررين، وإمكانية تفعيلها لضمان التعويض، خصوصاً عندما تواجه الضحايا صعوبات في استيفاء حقوقهم المالية.
فما جدوى الضمانات التي يقررها القانون إذا تعذر تفعيلها عند الحاجة إليها؟ وما قيمة الحكم بالتعويض إذا ظل تنفيذه بعيد المنال بالنسبة إلى من انتظروا سنوات لاستعادة أموالهم؟
إن إثارة هذه التساؤلات لا تنتقص من مكانة القضاء المغربي أو استقلاليته، بقدر ما تعكس الحاجة إلى مقاربة أوسع لمفهوم العدالة، لا تقف عند حدود المسؤولية الجنائية، بل تمتد إلى المسؤولية المدنية والضمانات القانونية الكفيلة بجبر الضرر.
وبالنسبة إلى الضحايا، فإن استرجاع أموالهم والحصول على تعويض مناسب لا يمثلان امتيازاً أو مطلباً إضافياً، بل يشكلان الحد الأدنى من الإنصاف الذي ينتظرونه بعد سنوات من التقاضي والانتظار. ومع ذلك، فإن أي تعويض مالي، مهما بلغت قيمته، لن يكون قادراً على محو آثار سنوات القلق والمعاناة، أو استعادة الفرص التي ضاعت والأحلام التي تبددت.
وعليه، فإن ملف «باب دارنا» لم يُطوَ بعد، على الأقل من زاوية المطالب المدنية والحقوق المالية للضحايا. فالدفاع يؤكد عزمه مواصلة سلوك المساطر والوسائل القضائية التي يتيحها القانون، من أجل تفعيل المسؤوليات والضمانات الممكنة، والوصول إلى إنصاف فعلي لا يظل حبيس الأحكام والقرارات.
إن هذه القضية تتجاوز في أبعادها مجرد نزاع قضائي حول معاملات عقارية، لتطرح أسئلة جوهرية بشأن حماية المتعاملين، وفعالية الضمانات المهنية، ومسؤولية المؤسسات، ومدى قدرة منظومة العدالة على إعادة الحقوق إلى أصحابها.
واعتبر دفاع الضحايا أن المعيار الحقيقي لإنصاف ضحايا «باب دارنا» لن يكون فقط في الأحكام التي صدرت، وإنما أيضاً في الأموال التي ستُسترد، والأضرار التي سيجري جبرها، والحقوق التي ستتحول من قرارات قضائية مكتوبة إلى واقع ملموس.
قضية «باب دارنا».. حين لا تكفي الأحكام القضائية لإنصاف الضحايا

