يبدو أن بعض المستشارين الجماعيين فهموا مهامهم بشكل خاطئ، فبدلًا من الانكباب على ملفات المواطنين وحل مشاكل الأحياء، اختاروا أن ينغمسوا في أجواء أخرى، أجواء تمتزج فيها الكؤوس بالقرارات، وتنتهي بمشاهد أقل ما يقال عنها إنها لا تليق بمن يفترض أنهم ممثلون للأمة.
في مراكش، قرر مستشار جماعي ومستشارة جماعية أن يجتمعا خارج قاعة الاجتماعات، لكن ليس لمناقشة قضايا السكان أو التخطيط لمشاريع تنموية، بل لجلسة خمرية انتهت بشكل درامي لم يكن متوقعًا. بدأ الأمر بضحكات ونكات متبادلة، لكنه سرعان ما تحول إلى مشادة كلامية، ثم اشتباك بالأيدي، وكأننا أمام مشهد من مسرحية هزلية، حيث تصاعدت حدة التوتر لدرجة لم تتحملها حتى سيارة الجماعة، التي كانت متوقفة في المكان الخطأ في الوقت الخطأ، لتتلقى نصيبها من التحطيم والركلات، وكأنها مسؤولة عن الخلاف القائم بين الطرفين.
هذه الواقعة لم تكن مجرد حادث عرضي، بل هي مرآة عاكسة لحالة من الفوضى الأخلاقية التي باتت تنخر بعض المؤسسات المنتخبة.
كيف يُعقل أن يصل الأمر إلى هذا الحد؟ هل أصبح تمثيل المواطنين مجرد غطاء لنيل الامتيازات واستغلال موارد الدولة في أمور لا علاقة لها بالمصلحة العامة؟ سيارة الجماعة، التي كان يفترض أن تُستخدم في خدمة السكان، تحولت إلى وسيلة نقل نحو جلسات خاصة، وكأن المال العام لا وزن له، وكأن المسؤولية تكليف يستباح بدل أن يكون تشريفًا يتطلب النزاهة والانضباط.
السلوك الذي أقدم عليه هذان المستشاران لا يعكس فقط سوء تقدير أو لحظة طيش، بل يكشف عن خلل أعمق في مفهوم العمل الجماعي.
فالأشخاص الذين يُفترض أن يكونوا قدوة في الانضباط والمسؤولية، باتوا يتصرفون وكأنهم في إجازة دائمة، غير مبالين لا بسمعتهم ولا بثقة المواطنين الذين أوصلوهم إلى مناصبهم. كيف يمكن لمن يتعارك في جلسة خمرية أن يتخذ قرارات حكيمة في تسيير الشأن العام؟ كيف لمن لا يسيطر على نفسه أن يدير مصالح الآخرين؟
الحادثة أثارت موجة استنكار بين سكان مراكش، الذين لم يعودوا يتفاجؤون بمثل هذه التصرفات، بل صاروا يتساءلون إن كان بالإمكان فعلًا الاعتماد على بعض المنتخبين لتحقيق التغيير المنشود.
ومع ذلك، تبقى المسؤولية اليوم في يد الجهات المعنية، التي عليها ألا تكتفي بالمشاهدة من بعيد، بل أن تتخذ الإجراءات اللازمة لضبط الأمور. لأن السكوت عن مثل هذه السلوكيات، مهما بدت عابرة، قد يكون مقدمة لما هو أسوأ، وقد يجعل المواطن يفقد آخر ما تبقى له من ثقة في من يُفترض أنهم صوت الشعب.
قد تمحى آثار التخريب من على هيكل السيارة الجماعية، وقد تُنسى تفاصيل هذه الليلة في زحمة الأحداث، لكن الأكيد أن ما وقع سيظل مثالًا صارخًا لما يمكن أن يحدث عندما يتحول بعض المنتخبين من مسؤولين عن تدبير الشأن العام إلى أبطال في مشاهد لا تمت بصلة للسياسة، ولا حتى لأبسط قواعد الأخلاق والاحترام.

