برحيل أحمد البخاري، الضابط السابق في المخابرات المغربية، عن عمر يناهز 87 عامًا، يطوي المغرب صفحة من تاريخه الاستخباراتي المثير للجدل. لم يكن البخاري مجرد عنصر عادي في جهاز المخابرات، بل كان “علبة سوداء” تجسد في ذاكرتها أسرارًا دفينة، وتفاصيل دقيقة عن حقبة زمنية حساسة من تاريخ المغرب، وتحديدًا فترة الستينيات والسبعينيات.
“كاب 1”: الفرقة السرية والأسرار الدفينة
انضم البخاري إلى فرقة “كاب 1” التابعة لمديرية مراقبة التراب الوطني، وهي وحدة استخباراتية لعبت دورًا محوريًا في تلك الفترة. من خلال موقعه، اطلع البخاري على عمليات استخباراتية معقدة، وشهد على أحداث مفصلية، وظل يحمل في صدره شهادات حية عن تلك الحقبة.
الكشف عن المستور: شهادات هزت الرأي العام
في مطلع الألفية الجديدة، قرر أحمد البخاري كسر حاجز الصمت، والخروج بشهادات جريئة حول انتهاكات حقوق الإنسان التي شهدها المغرب خلال فترة حكم الملك الحسن الثاني.
لم يتردد في الكشف عن تفاصيل مروعة، بما في ذلك قضية اختطاف واغتيال المعارض المهدي بن بركة، وهي القضية التي ظلت لغزًا يؤرق المغاربة لعقود.
لم تمر شهادات البخاري مرور الكرام، فقد أثارت عاصفة من الجدل والنقاش العام. البعض اعتبره بطلًا قوميًا تجرأ على فضح المستور، بينما اتهمه آخرون بالخيانة وتشويه صورة المؤسسة الأمنية. ورغم كل ذلك، لا يمكن إنكار أن شهاداته فتحت الباب أمام نقاش أعمق حول ملف حقوق الإنسان في المغرب، وساهمت في تعزيز مسار المصالحة الوطنية.
لم يسلم البخاري من تبعات شهاداته الجريئة. ففي عام 2001، تم اعتقاله بتهمة إصدار شيكات بدون رصيد، وهي التهمة التي اعتبرها الكثيرون محاولة لإسكات صوته وتشويه صورته.
ورغم ذلك، لم يتراجع البخاري عن مواقفه، وظل مدافعًا عن ضرورة كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
اعترافاته المنشورة
نشر أحمد البخاري مذكراته واعترافاته في سلسلة جديدة في جريدة “الأحداث المغربية”، حيث تناولت هذه السلسلة وقائع شارك فيها أو عايشها خلال فترة الخمسينيات والستينيات.
كما ألّف كتابين: “السر” (Le Secret) حول قضية بن بركة و”أسباب الدولة” (Raisons D’état)، الذي يروي فيه بالتفصيل عمليات المخابرات المغربية بين عامي 1960 و1980.
إرث من الجدل والأسئلة المعلقة
برحيل أحمد البخاري، يطوي المغرب صفحة لكنه لا ينسى إرثًا من الجدل والأسئلة المعلقة. فشهاداته ستظل مادة دسمة للباحثين والمؤرخين، وستبقى تثير النقاش حول طبيعة العمل الاستخباراتي وحدود السلطة وأهمية محاسبة المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان.
رحل “العلبة السوداء”، لكن الأسرار التي حملها في صدره ستظل تطارد الذاكرة المغربية وتذكرنا دائمًا بضرورة الحفاظ على الحقيقة وتحقيق العدالة وضمان عدم تكرار مآسي الماضي.

