في الوقت الذي يتكدّس فيه المرضى في ممرات وفناءات المستشفيات، ويبحث الأطباء عن ضماد معقم كمن يبحث عن كنز مفقود، قررت وزارة الصحة أن الأولوية المطلقة ليست لسد الخصاص في الموارد، ولا لتحسين الخدمات، بل لاقتناء سيارتين رسميتين بمواصفات متطورة.
الصفقة، التي حملت الرقم المرجعي N°04/2025/DPAAG/SG لم تأتِ لشراء سيارات إسعاف حديثة، أو تجهيز مستشفى قروي بمعدات لائقة، بل لتوفير "وسائل نقل مريحة" للمسؤولين، مزودة بأحدث أنظمة الأمان والمساعدة على القيادة، وكأن طُرق المغرب تحوّلت فجأة إلى حلبات سباق "فورمولا 1" تتطلب سيارات بمواصفات خيالية.
الطريف في الأمر أن الوزير أمين التهراوي، المعروف بحرصه الشديد على المال العام، كان قد ألغى صفقة بقيمة 180 مليون درهم تتعلق ببرنامج "المريض المشترك"، مبررًا القرار بأن المسؤولية تقتضي ترشيد النفقات.
ويبدو أن هذا "الترشيد" لا يشمل السيارات الفاخرة، لأن المسؤول - كما تعلمون - يحتاج إلى بيئة عمل مريحة، تبدأ بمقعد جلدي فاخر وتنتهي بنظام تكييف ذكي!
أما المواطن المسكين، الذي يقف في طوابير الانتظار لساعات، أو يضطر للسفر مئات الكيلومترات بحثًا عن طبيب اختصاصي، فعليه أن "يتكيّف" هو الآخر، ولكن ليس مع رفاهية الوزارة، بل مع واقع صحي متردٍّ لا يكفي فيه الدواء لمن استطاع إليه سبيلًا.
وحتى لا نظلم الوزارة، فهي لم تكتفِ بالسيارات، بل أبرمت أيضًا صفقة بقيمة 21 مليون درهم لاقتناء "أجهزة قارئ وثائق التعريف" للمستشفيات، لكن الطريف أن الإشراف على العملية أُسند إلى "قسم مجموعة السيارات والشؤون العامة"! يبدو أن الوزارة قررت تطبيق سياسة "تعدد المهام"، حيث أصبح قسم السيارات مسؤولًا عن الأجهزة التقنية، وربما في المستقبل سنرى وزارة الصحة تعلن عن قسم خاص بإدارة المطاعم والمقاهي أيضًا.
يبدو أن الوزارة قد وضعت يدها على الحل النهائي لمشاكل الصحة في المغرب: لا حاجة لمستشفيات مجهزة، ولا لأدوية متوفرة، فقط وفروا للمسؤولين سيارات فاخرة، وعندها ستتحسن مؤشرات "الرضا الوظيفي" داخل الوزارة، أما صحة المواطن... فهي مجرد تفصيل صغير في معادلة الإنفاق العمومي.

