بين خطاب حكومي رسمي يُغرقنا في تفاؤل مُنمّق عن "النموذج التنموي الجديد"، وواقعٍ يُغرق شباب المغرب في العطالة والتهميش، تتكشف الفجوة الفاضحة بين ما يُروّج وما يُعاش.
تقرير أفروباروميتر (Round 10) الصادر في يونيو 2025، يمثل جرس إنذار جديد حول هشاشة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لفئة تمثل أكثر من ثلثي الساكنة: الشباب.
وفي هذا السياق كشف التقرير أن 37.7% من الشباب (15–24 سنة) يعانون البطالة، في حين يصل معدل البطالة العام إلى 13.3%، حسب بيانات المندوبية السامية للتخطيط، وهو رقم مرشح للارتفاع في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي وتأثير الجفاف على القطاعات الحيوية، خاصة الفلاحة والخدمات.
وجدير بالذكر أن الأخطر هو أن 41.4% من الشباب المغربي يفكرون فعليًا في مغادرة البلاد، وترتفع النسبة إلى 51.2% بين الذكور، مما يعكس تفشي الإحساس بعدم الأمان الاقتصادي، وانسداد الأفق أمام جيلٍ محاصر بسياسات غير منصفة.
"ما يطلبه الشباب بسيط: شغلٌ كريم، وعدالة في توزيع الفرص، وكرامة لا تُرهن بمباراة أو وسيط أو ولاء سياسي."
كثير من الشهادات ميدانية ضمن تقرير أفروباروميتر، ركزت على العدالة الاجتماعية المفقودة، حيث يتعود الشباب الفشل. وفي هذا الصدد أشار التقرير إلى مفارقة صادمة.
69% من الشباب الذين يفكرون في الهجرة متعلمون. ليسوا من الهامش، ولا منسحبين من الحياة الدراسية، بل من خريجي الجامعات والتكوينات المهنية. ومع ذلك، يجدون أنفسهم خارج دورة الاقتصاد الوطني، لأن السوق ببساطة لا يطلبهم، أو يطلبهم بعقود هشة وأجور مهينة.
34% من الشباب صرّحوا بأن مؤهلاتهم لا تتماشى مع متطلبات سوق الشغل، وهي نتيجة مباشرة لفشل السياسات التعليمية والتكوينية في استشراف حاجيات الاقتصاد، رغم تكرار الخطاب الرسمي عن "ربط التعليم بالتشغيل".
الهجرة كمظهر احتجاجي
حين تتحول الهجرة من "طموح مشروع" إلى "مخرج اضطراري"، فنحن لسنا أمام نزيف كفاءات فحسب، بل أمام تعبير سياسي ساخط على إدارة الدولة للثروة والفرص.
يقول التقرير إن 80% من الشباب الذين يفكرون في الهجرة يربطون القرار بغياب فرص العمل أو لتحسين الوضع الاقتصادي، بينما لا تتجاوز نسبة من يفكرون في الهجرة لأغراض تعليمية 4.1%.
ما يُخيف في هذا المعطى، أن الشباب لا يرون في بلدهم ضمانًا للحياة، ولا اعتبارًا لكرامتهم. وهذا تمظهر خطير لأزمة ثقة عميقة بين الدولة والمواطن.
الأداء الحكومي: وعود كثيرة، أثر قليل
يُجمع 59% من الشباب (18–35 سنة) أن الأولوية القصوى للحكومة يجب أن تكون خلق مناصب الشغل...
نسبة رضاهم عن الأداء الحكومي في هذا المجال لا تتجاوز 14%، حسب بيانات التقرير. كما أن 85% من الشباب لا يثقون في فعالية الحكومة في تدبير الاقتصاد.
إنه فشلٌ يتجاوز المعالجة التقنية، ليصير فشلاً سياسيًا في فهم جوهر الأزمة: العدالة في توزيع فرص العيش، والشغل، والتمثيل.
منظومة التشغيل.. غائبة الإرادة السياسية
رغم إطلاق الحكومة برامج تشغيلية منذ أكثر من عقد (إدماج، تأهيل، تحفيز...)، فإن أثرها ظل محدودًا وزئبقيًا. فقد وفر برنامج "إدماج" مثلًا حوالي 212 ألف منصب بين 2017 و2021، لكن معدلات البطالة ظلت على ارتفاع، لأن هذه البرامج كانت تقنوية، غير مرفقة بإصلاح جذري في السياسات الاقتصادية والجبائية التي تُقصي المقاولات الصغرى والمتوسطة، وتُعزز الريع الاقتصادي.
"السياسات التشغيلية في المغرب تشتغل كمسكنات ظرفية... دون معالجة جذرية لهيمنة الزبونية على سوق العمل، ولا لإصلاح مناخ الأعمال الحقيقي." مقتطف من تحليل اقتصادي بـMaroc Diplomatique.
الأزمة بمنظور حقوقي وإنساني
نحن لا نتحدث عن رقم مجرد في سجل الإحصاء، بل عن شباب يحترقون بصمت: شاب ينتحر لأنه لم يُقبل في مباراة توظيف، وشابة تقرر الهجرة عبر قوارب الموت لأن عملها كحاملة ماستر لا يساوي أكثر من 2000 درهم شهريًا. وآلاف من الشباب المعطلين يعانون الإقصاء في المدن الداخلية، بلا صوت ولا منصة.
أين الحق في الشغل؟ أين الكرامة كحق دستوري؟
بطالة الشباب في المغرب ليست أزمة تنمية فقط، بل أزمة حق أساسي منتهك بشكل منهجي، في تناقض تام مع الفصل 31 من دستور 2011 الذي ينص على “الحق في الشغل، والتكوين المهني، والحماية الاجتماعية”.
"رؤية 2035" للتنمية الاقتصادية التي تتغنى بها المؤسسات الرسمية، لن تُقنع جيلًا يهاجر في وعيه قبل أن يهاجر جسدًا، ما لم تضع سياسات التشغيل في صلب معادلة الكرامة والمواطنة.
وحدد مختصون في التنمية أننا نحتاج إلى خطة وطنية شاملة تشمل إصلاح عميق للتعليم والتكوين، يستشرف حاجيات السوق وليس حسابات اللوبيات وحفيز حقيقي لمبادرات الشباب بعيدًا عن البيروقراطية والريع البنكي مع تقليص الفجوة بين القطاعين العام والخاص في شروط العمل وتوزيع عادل للثروة بين الجهات، وتفكيك مركزية الفرص في محور الدار البيضاء–الرباط دون إغفال التمكين السياسي للشباب، حتى يكونوا فاعلين في القرار لا مجرد موضوعات للإحصاء، مؤكدين أنه لن يكون هناك نموذج تنموي حقيقي ما دام الشاب المغربي غريبًا في وطنه، مُهانًا في سوق الشغل، ومُقصى من مراكز القرار. لقد كشف تقرير أفروباروميتر حجم الأزمة، وعرّى سطحية السياسات التي تتغنى بمؤشرات الاقتصاد الكلي وتتجاهل كسر الخاطر اليومي لأبناء هذا الوطن.



