ليست كل الكسور تُجبر.
بعضها، حين يصيب كرامة الإنسان، يظل معلقًا في الروح، لا يُرمّم ولا يُنسى.
هكذا هو جرح فتاة مغربية تعرضت لاعتداء وحشي، أمام مرأى الناس، وفي قلب محطة مراكش. لم تُكسر عظامها فقط، بل انكسرت معها ثقتها في مؤسسات يُفترض أن تكون لها سندًا ودرعًا.

شابٌ ـ زعم أنه ينتمي إلى سلك الأمن ـ وربما مفوض قضائي... ربما منتحل الصفة... لكن المحقق يومذاك أشعر الضحية أن المعتدي مواطن من الدرجة الأولى...
اعتدى على الشابة بعنف مفرط، فكُسر إصبعها.. كانت مصابة بداء السكري، ومع الكسر، بدأت العدوى. تدهورت حالتها، والطبيب كتب ما كتبه بضمير: عجز طبي مؤقت لمدة 30 يومًا...مرشح للارتفاع..
من الممكن أن تُبتر يدها.... ولا تدري لحد الساعة هل ستفقد إصبعها أم لا... ولَفقدان اليد كلها أهون من فقدان الأمل والثقة في العدالة....
لكن ما بُتر فعليًا، لم يكن إصبعها بل إحساسها بالأمان في وطنها... حقها.... بل فرصة الاستماع لها لدى النيابة العامة وأمام المحكمة...
بدأ الملف بمحاولة طيّ صامت في دائرة الشرطة، لكن يقظة عناصر المنطقة الأمنية، مشكورين، أعادت الأمور إلى مسارها.
تقدمت الضحية بشكاية. سلكت الطريق القانوني. آمنت بالدولة. انتظرت حكمًا يعيد إليها شيءًا من الإنصاف… لكن الطريق كان معطّلًا.
دخل الملف المحكمة، وهنا تبدأ فصول اللا عدالة.
قراءة في ما يُسمّى "حكمًا"
نعم، صدر حكم.
لكن أي حكم هذا الذي:
لم يُستدعَ فيه المعتدي مطلقًا؟
لم تُمكَّن الضحية من الإدلاء بأقوالها...
لم تُعرض فيه الشهادة الطبية...
لم تُفتح فيه جلسة مواجهة...
لم تُستمع فيه إلى الشهود...
صدر حكم وُقّع باسم جلالة الملك، لكنه افتقد لكل ما يمكن أن يستحق التوقيع السامي.
صدر وكأنه يُريد طي الملف، لا إنصاف الضحية.
تحجج الحكم بـ "إنكار المتهم".
لكن بأي سند؟
المتهم لم يُمثل أمام الهيئة، ولا أمام النيابة العامة.
لم تُسجَّل له أقوال. لم يُحرّر له محضر مواجهة... فقط مازالت الضحية تتذكر وضعه المريح الرجل على الرجل، معه نافذ غريب....في مكتب المحقق.... وهي تنتظر غودو في بهو الدائرة...
فكيف يُقبل "إنكار" من لم يُسأل أصلًا؟
وكيف يُبنى حكم على عدم؟
أليست هذه خيانة للمنطق القانوني قبل خيانة المبدأ الإنساني؟
الحكم خلا من كل مقومات العدل:
لا تعليل. لا بناء. لا حجج.
فوقائع الجريمة موثقة بشهادة طبية.... أين الشهادة الطبية.... أين اختفى المعتدي...؟
الضحية تقدمت بشكاية نظامية.
والشرطة أحالت الملف بعد فتح محضر... بعد تصويب المسطرة من لدن رجال حموشي في المنطقة الأمنية... الذين ترفع لهم القبعة...
ومع ذلك… تُقبر القضية بصيغة قانونية تُحاكي اللاشي.
وجع يتجاوز الجسد
الضحية اليوم لا تُوجِعها يدها، بل يُوجِعها أن العدالة لم ترها.
أن محكمة في بلدها أغلقت الباب، وأرخت الستار، دون أن تسمع صرختها.
أن اسمًا مجهولًا، قد يكون مُحصّنًا، مرّ من تحت أعين القانون، وخرج من الباب الواسع، فيما تركها في رصيف اليأس، تنزف من حيث لا يُرى.
هي لا تطلب رأس المعتدي، ولا تنتظر تعويضًا ماليًا.
كل ما ترجوه، أن تُنصف كإنسانة، أن تُستمع لها.
أن يُعاد فتح الملف، لا لرد الاعتبار لها وحدها، بل للثقة في العدالة التي بدأت تهتز في عيون الناس.
المعافاة… والعدل
في زمن كثرت فيه الجراح، نحتاج إلى عدالة لا تُكتَب فقط، بل تُحسّ.
عدالة تُرمّم ما يُكسر في دواخلنا.
عدالة لا تُقيم التوازن بين أوراق، بل بين أرواح.
نحن لا نكتب لنجلد القضاة، ففيهم شرفاء نعرفهم ونُجلّهم، بل نكتب لنقول:
هناك حكمٌ لم يكن منصفًا.
وهناك روح شابة تكاد تُطفأ لأن حقّها ضاع.
وهناك قلوب تحتاج إلى حكمة أعلى، لا تنتمي إلى المؤسسات، بل إلى رجلٍ يحمل الوطن في قلبه، يعرف أن العدالة عماد الملك، وأن الإنصاف حياة أمة.
نعم… نكتب ونحن نُدرك أن هناك من يرى ويسمع…
من لا يحتاج استنجادًا صريحًا، لأن المظلوم يصل إليه بدعوة...
نكتب ونعلم أن لأمير المؤمنين رجالا أوفياء... لن يصمتوا... لأن جلالة الملك هو حامي المظلومين.... والشابة... لم يعد لها من باب تطرقه غير السدة العالية بالله...تقول لعاهل البلاد: ظلموني مولاي.... لأني فقيرة بلا سند... أنتم سندي بعد الله
من محطة مراكش، انكسر الإصبع.
ومن بين السطور، انكسر القانون.
لكن ما لم ينكسر بعد، هو الأمل…
أن تُعاد الكفّة لنصابها.
أن تسمع المحكمة ما لم تسمعه.
أن تنظر العدالة في عيني الضحية، لا في "إنكار المتهم". وأن نعود لنثق أن هذا الوطن لا يُضيّع حق أحد… حتى لو كان بسيطًا مثل إصبع.
تطلبون منا ألا نعلق على الأحكام....لكن صعب ألا نصرخ عاليا من الألم... من وجع الظلم" آه...!" فدعونا نستنجد بالذي عنده لا تضيع الحقوق... بجلاله الملك حفظه الله... ونسخة الحكم المر

