بينما تعبّئ الدولة المغربية جهودها الهائلة لتهيئة المدن الكبرى، وفي طليعتها الدار البيضاء، استعدادًا لاستحقاقات المونديال والمواعيد الدولية القادمة، تبرز جيوب ترابية منسية تعيش على وقع الفوضى والتسيّب، كأنها خارج الخريطة، بل خارج المنطق الإداري.
منطقة ميموزا، التابعة ترابيًا لمقاطعة عين السبع، أضحت نموذجًا صارخًا لما يمكن وصفه بـ"النكبة الحضرية"؛ حيث تُختطف الأرصفة أمام أعين الجميع، وتُحوَّل الأوراش إلى مشاهد عبثية، بينما الملك العمومي يُحتل على نحو ممنهج، دون تدخل، دون محاسبة، ودون أي أثر لسلطة ترابية تقف على ما يحدث في الميدان.
الأسوأ أن هذه الاختلالات لا تتم في غياب الدولة، بل في صمت أحد ممثليها الإداريين المباشرين: القائد الترابي المعني. فكيف يستقيم أن ترفع القيادة العليا للدولة شعار "ربط المسؤولية بالمحاسبة"، بينما تُدار منطقة ترابية بمنطق الغياب والتغاضي؟
القائد الذي سحل العميد... ولم يسأله أحد!
الرأي العام المحلي لم ينس بعد الحادثة المؤلمة التي جرت فصولها قبل أشهر، حين تداولت الأوساط المهنية والإعلامية نبأ احتجاز غير قانوني تعرض له عميد شرطة متقاعد داخل مقر قيادة ترابية بالمنطقة، على يد القائد ذاته الذي يغيب اليوم عن الميدان ويغلق مكتبه على نفسه، بينما الحي يغرق في العشوائية.
لقد تم السكوت عن هذه الواقعة، ولم يُفتح فيها أي تحقيق معروف على الأقل معلن، رغم خطورتها الإدارية والقانونية. وما يضاعف الحسرة هو أن القائد المعني لم يُنقل، ولم يُسأل، بل استمر يمارس مهامه – أو بالأحرى يتجنبها – في استهتار صارخ بكل الضوابط، وسط صمت مثير للتساؤلات.
فهل هناك من يحمي هذا المسؤول؟ وهل تحول الصمت حوله إلى "جدار إداري عازل" يكرّس الإفلات من المحاسبة؟وهل أصبحت بعض المواقع الإدارية محصّنة ضد التفتيش، في مغرب يُفترض أنه دخل عهدًا جديدًا من الحوكمة والمحاسبة والشفافية؟
منطقة منكوبة بلا مساءلة
الوضع في ميموزا لا يحتاج إلى تقارير مكتبية أو بيانات مفبركة. جولة بسيطة كافية لتكشف حجم الكارثة:
أرصفة محتلّة بالكامل من قبل بائعين متجولين ومحتلين دائمين.
أوراش مفتوحة بلا تراخيص مرئية ولا انضباط هندسي.
تراكم نفايات وأضرار بيئية لا تجد من يعاينها أو يردع المتسببين فيها.
وغياب تام لأي دور للمقاطعة في تأطير هذه العشوائية.
في ظل هذا الواقع، يبدو أن المواطن وحده يدفع الثمن: تضييق في الحركة، اعتداء على الحق في الرصيف، فوضى عمرانية، وشعور عارم بالظلم واللاعدالة المجالية.
هل التفتيش الميداني محرَّم على بعض المسؤولين؟
إذا كنا قد عهدنا في وزارة الداخلية بقيادة عبد الوافي لفتيت حزمًا كبيرًا في ضبط إيقاع الإدارة الترابية، وإذا كانت تعليماته واضحة في ضرورة "الوقوف على الأرض لا خلف المكاتب"، فإن ما يقع في ميموزا يطرح علامة استفهام كبيرة:
لماذا لا يُفتَح تحقيق ميداني صارم في هذه المنطقة؟
هل نحتاج إلى كارثة إنسانية أو فضيحة وطنية حتى تتحرك المفتشيات؟
وهل الصمت في هذه الحالة بريء، أم أنه قابل للتأويل السلبي، وربما حتى للتمويل الخفي؟
إن تغاضي السلطات الجهوية والمحلية عن هذا الواقع ليس مجرد تقصير، بل تهديد مباشر لثقة المواطن في مؤسساته، وخرق صريح للروح الدستورية التي جعلت المحاسبة قاعدة لا استثناء.
أمهيدية وعامل عين السبع... ثقة لا يجب أن تُخذل
في المقابل، لا يمكننا إلا أن ننوّه بما يبذله الوالي أمهيدية، والي جهة الدار البيضاء–سطات، من جهود حقيقية في تكريس منطق الحزم والإشراف العملي على الأوراش الكبرى للدار البيضاء. الرجل يُعرف بخلفيته الأمنية والإدارية الدقيقة، وبأنه لا يقبل "المنطقة الرمادية" في التسيير.
كما نُثمّن المقاربة الجديدة التي يتبناها عامل عمالة عين السبع – الحي المحمدي، الذي أبدى منذ توليه مهامه دينامية ميدانية واضحة. لكن هذه الدينامية لا تكتمل إلا بفتح أعين التفتيش على منطقة ميموزا، التي يبدو أنها "خارج الرادار" لأسباب مجهولة.


تعليقات
1التعليقات مغلقة.