لا تزال قصة شرفاء ركراكة تثير الكثير من التساؤلات والتأويلات، وتستدرج الذاكرة المغربية إلى تخوم الأسطورة حيث يمتزج التاريخ بالسرد الشعبي، وتتقاطع العقيدة مع الرمزية، في حكاية تختزن في عمقها ما هو أبعد من مجرد رواية قبيلة أو سيرة أولياء.
إنها قصة تتجاوز حدود المألوف، وتفتح الأبواب أمام تفكير مغاير في مفهوم السبق إلى الإسلام، ودور المغرب في استقبال النور النبوي قبل الفتح العسكري.
يروي أهل المنطقة، وتُؤكده روايات شفهية وطقوس احتفالية عمرها قرون، أن شرفاء ركراكة ذهبوا إلى المدينة المنورة في حياة النبي محمد ﷺ، وقدموا له البيعة، ثم عادوا إلى المغرب قبل أن تطأه أقدام الفاتحين. وعلى الرغم من غياب هذه القصة في المدونات التاريخية الكلاسيكية الكبرى، إلا أن حضورها في وجدان الناس، وفي الطقوس الركراكية، وفي المخيال الصوفي المغربي، منحها شرعية من نوع خاص، لا تقوم على الوثيقة، بل على الرمز.
تكتسب هذه القصة طابعًا أكثر غرابة حين نعود إلى أصل أولئك الأربعة المؤسسين الذين يُقال إنهم ليسوا من المسلمين ابتداءً، بل من المسيحيين الموحدين الذين رفضوا تأليه المسيح، وآمنوا بواحدانية الله، وتمسكوا ببشارة عيسى عليه السلام بقدوم نبي اسمه أحمد.
هؤلاء، وفق الرواية المتداولة، فروا من بطش الكنيسة في الأندلس، حيث رفضوا قرارات المجمع الكنسي، وتشبثوا بإيمان خالص بوحدانية الله دون وسائط. فطاردتهم الكنيسة بتهمة الهرطقة، ولم يجدوا مهربًا إلا عبور البحر إلى الضفة الجنوبية، حيث حطوا رحالهم على ضفاف نهر تانسيفت، جنوب مدينة آسفي، حاملين معهم وصية المسيح ونبوءته، ومقتنعين بأن النور قادم من الشرق.
أسماء هؤلاء الأربعة – علقمة، أرتون، أردون، أمجي – لا تنتمي إلى المعجم الإسلامي المألوف، ولا إلى الأسماء العربية الموروثة، بل يبدو بعضها أقرب إلى اللاتينية أو القوطية القديمة، ما يعزز الطابع العابر للهويات في أصل القصة، ويدفع نحو التساؤل حول البنية الثقافية والروحية التي ساهمت في تشكيل هذه الذاكرة الجماعية. فهل نحن أمام رواية تاريخية حقيقية اندثرت مصادرها، أم أمام أسطورة مؤسسة لشرعية روحية أراد من خلالها أهل ركراكة أن يمنحوا نسبهم الصوفي بعدًا نبويًا سابقًا على الإسلام الرسمي في المغرب؟
لا يمكن إنكار البعد الرمزي العميق الذي تحمله هذه القصة. فهي لا تقدم نفسها كحكاية فخر قبلي، بل كإعادة تشكيل لهوية مغربية ترى في نفسها وارثة للوصية المسيحية الموحدة، وحاضنة للبشارة النبوية، ومؤمنة برسالة محمد ﷺ قبل أن يصل صوته إلى المغرب.
بهذا المعنى، فإن ركراكة لا يقدمون أنفسهم فقط كسباقين للإسلام، بل كوسطاء روحيين بين المسيحية الحقة والإسلام، وكأنهم الحواريون الجدد الذين صدقوا النبوءة قبل أن تقع، وآمنوا بالغيب قبل أن يتحقق.
ولعل ما يمنح هذه الرواية صلابة في المخيال الشعبي هو انغراسها في الطقوس الحية، مثل "الزيارات الركراكية"، التي تُنظم سنويًا، وتُجدد من خلالها القبائل البيعة الرمزية لهؤلاء الأولياء، في مسارات روحانية تتبع خطى الآباء المؤسسين، وتجدد العهد مع النور النبوي الموعود. فالقصة هنا لا تعيش في الكتب، بل في الجغرافيا، وفي الجسد الجمعي، وفي الطقس الذي يعيد بعث المعنى.
غير أن هذه الرواية، مهما بدت مغرقة في الأسطرة، فهي تفتح بابًا مهمًا لإعادة النظر في مفهوم "السبق إلى الإسلام" خارج منطق الغزو والفتح. فبينما تؤكد المصادر التاريخية أن الفتح الإسلامي للمغرب تم في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، فإن رواية ركراكة تعلن أن الإسلام وصل إلى المغرب قبل ذلك بكثير، لا عبر السيف، بل عبر الإيمان والتوق الروحي، وعبر رهبان فرّوا من الظلم الديني إلى فضاء الحرية الروحية.
يبقى السؤال عن مدى صدقية هذه الحكاية من الناحية التاريخية سؤالًا مفتوحًا، لكنها في كل الأحوال تفرض علينا قراءة جديدة للهوية المغربية، ليس باعتبارها ثمرة الفتح، بل باعتبارها أرضًا مهيأة منذ القدم لاستقبال الرسالة، وحاضنة للروح قبل الشريعة. وهذا البعد هو ما يمنح ركراكة تلك المكانة الخاصة في السردية المغربية، مكانة لا تعتمد على نسب بيولوجي، ولا على قوة سياسية، بل على رمزية روحية عميقة تقول، ضمنيًا، إن المغرب لم يُسلَم، بل كان مسلمًا قبل أن يُبلّغ.
إنها ليست فقط قصة أربعة حواريين فروا من الكنيسة، بل سردية عن أمة تحاول، عبر الأسطورة، أن تجد لنفسها موقعًا في البداية، لا في الذيل. قصة تعيد رسم العلاقة بين المغرب والمشرق، لا كعلاقة تبعية، بل كعلاقة موازاة وتواطؤ روحي سابق.
ربما لم يُسجل المؤرخون الرسميون قصة شرفاء ركراكة، وربما لم تُوثقها المدونات الكبرى، لكنها حيّة في وجدان الناس، وفي حكي النساء، وفي سير الزوايا، وفي مسارات القوافل.
وربما، كما يقول البعض، لا تحتاج الأسطورة إلى دليل بقدر ما تحتاج إلى ذاكرة تصدقها، وروح تؤمن بها، وزمن يعيد قراءتها بلا يقين يقيني، بل بحكمة الشك، ودهشة المؤمنين بالمعنى.

