الرمق الأخير: نكتب كي لا نموت صمتًا

Last Update :
الرمق الأخير: نكتب كي لا نموت صمتًا
خالد أخازي

لم نعد نطلب المعجزات... لم يغلبنا لا ارتفاع الأسعار ولا البطالة... ولا ضيق الحال، نفهم وطننا في الشدة والرخاء... لكن غلبنا الهوان... والتغول... وسلب الكرامة منا... ومقايضة الصمت بالحرية...

لم نعد نحلم بأحزاب نظيفة، ولا ببرلمان نابع من الإرادة الشعبية، ولا بحكومة تفهم الفرق بين الحكم بشهوة الرأسمال والتدبير بوحي ضمير الأمة.

كل ما نرجوه اليوم بسيط حد الألم: أن لا نُهدَّد لأننا نرفض الصمت...أن لا يُزجّ بنا في السجون لأننا نرى ما لا يُراد لنا أن نراه....أن لا يُحاسب فينا الشاهد قبل المجرم، ولا يُدان الحالم قبل الفاسد...

ألا نخاف... لقد حررتنا الملكية من الخوف، وسلبنا طغاة صناديق الاقتراع سكينة العقل... وإرادة القول... المغاربة حين يخرجون في مسيرات من قرى نائية... لا تحركهم الحاجة ولا العوز، ولا الفاقة ولا العطش، بل أخرجهم الإحساس بالغبن والظلم... والفساد الذي حرمهم حقوقا ممكنة... ولكنها هربت... المغاربة... ينتفضون للكرامة... وليس الرغيف...

الشعب ينهار في صمت..

الشوارع تغلي من الداخل، والبيوت تغصّ بالأسى، ولا أحد يسمع... الدواوير تتحرك... لا يحركها العطش والجوع... المغاربة لا يخرجون مم أجل الرغيف... ما يخرجهم هو القهر والظلم والخزي المنهجي....إننا نعيش أقصى درجات التغول والريع بالقانون وباسم الديمقراطية...يؤلمهم الغنى الفاحش غير الوطني ولا الإنساني.. لا الغنى الذي يصنع الأمل... يوجعهم أن تطاردهم إدارة الضرائب بشراسة... وتختفي الصرامة مع كبار القوم... أن نعزل رئيس جماعة فقيرة من أجل تضارب المصالح ولا يرف جفن للمشرع ولو أخلاقيا من أجل النبش في تضارب المصالح بالملايير... في دراما مخيفة، يغدو فيها السؤال.... مهددا لسوء المال...

ماذا يقع…؟ صرنا نتوق لمغربنا قبل الربيع العربي..كان أجمل وأقوى وأكثر أمانا… نريد… قسوة زمان مع اللصوص وقطاع الطرق وناهبي المال المال…نريد أن تنتهي مهزلة تهديد المغاربة والدولة… والشعب… نعم لنا الحق في الكلمة… لكن لم يعد لها جدوى… كل شيء غدا سدى… لهذا أمعن الفساد في الفساد…ماذا يقع؟ 

الأسعار تصعد كالصواعق، لكننا صابرون... نتفهم ونتألم ليس من الغلاء بل من الريع والفساد اللذين أربكا الأسواق...وأفسدا بالاحتكار والاتجار الخفي... المزاج الشعبي...لا يخيفنا الغلاء... نجوع ولا يستبعبدنا بالقانون الكبار والرأسمال الجشع...

نمرض... هذا قدر الناس... لكن ليس قدرنا أن نموت في وطن غلق المستشفيات العمومية...وانتصب سماسرة جدد... يقتنصون المرضى  للمصحات.. الغول الجديد الذي يرى في المرض فرصة مالية.... وصفقة...الإهمال والموت على الأبواب، ليسا قدرا محتوما.... هما قضاء طبعا ... لكنهما جريمة بخنجر الفساد..تسول الدواء والعلاج رقميا... ليس من قيم المغاربة.... يموت المغربي في العراء ولا يتسول سقفا يأويه... نبني كل يوم الطرق الجسور... المحطات.... وننسى بناء الإنسان... 

والقدرة الشرائية تهوي، لكننا محتسبون..

 المسؤولون يوزّعون الابتسامات المسمومة، ويتباهون بأرقام لا تعني شيئًا في قاع الحاجات اليومية... وهذا هو الوجع... الكذب...والقهر بالتهديد.. 

من أين جاء هؤلاء الذين يسخرون من آلام الناس؟

من أي صفقات تسلّلوا إلى قمة القرار؟

كيف صار الوزير يهدد، والمسؤول يسفّه العقول، ويُكافأ على وقاحته؟

صوت الشعب خفت، لكنه لم يمت.

هو يُختنق بين الجدران، لا في الساحات.

وهو يُقصى من دوائر القرار، لا من الوطن.

نحن لم نغادر هذا الوطن، لكنه يغادرنا كل يوم، حين تُختطف مؤسساته لصالح شلل الريع والامتيازات.

نحن في منعطف خطير.

الديمقراطية أُفرغت من معناها.

الانتخابات صارت مجرد محطات شكلية لتجميل الواجهة.

البرلمان تصوت فيه الظلال، لا الضمائر.

القوانين تُطبخ في العتمة، وتُفرض على المواطنين بدم بارد.

لكننا، ورغم كل شيء، لم نكفر بالدولة.

ما زلنا نؤمن أن في هذا الوطن ملكًا لا تخدعه الأرقام، ولا تغرّه التقارير الصفراء...ما زلنا نرى في المؤسسة الملكية المرجع الأخير حين تضيع البوصلة.

نناشدها أن تنتصر للوطن، لا لحكومة، ولا لحزب، ولا لبطانة تُسوّق التعتيم على أنه استقرار.

يا جلالة الملك،

الوطن يُسرق أمامنا،

والحلم يُطفأ في عيون الشباب،

والعدل يُختطف كما اختُطف الأمل.

لقد أصبح الفساد يمشي علنًا، بأنياب وأظافر، لا يخشى شيئًا...

وصارت الوطنية عبئًا يُفرض على الضعفاء، بينما يفرّط فيها من يدّعون تمثيلنا.

إننا لا نطلب المستحيل.

نحن لا نحلم بحكومة مثالية، بل بدولة تحترم نفسها، تحترمنا.

نحلم بقضاء أكثر عدلا، وبرلمان لا يُباع، وبمؤسسات لا تُدار من وراء الستار.

بالأمس، سمعنا من يهدد القضاة...

القضاة، يا جلالة الملك، آخر قلاع الصمود في هذا البلد.

إن سقط القضاء، سقط الوطن، سقط العدل، وسقطت هيبة الدولة.

ما زلنا نكتب لأننا نحب هذا البلد.

ما زلنا نأمل في صوت ملكي، حازم، يُعيد للدولة هيبتها، ويضع حدًّا لهذا العبث.

نرجوكم… لا تتركونا وحيدين.

لقد صار الشعب بلا درع، والدستور بلا روح، والحكامة بلا ضمير.

لسنا في خصومة مع الوطن،

لكننا في خصومة مع من لوّثوه، واختطفوه، وحرّفوا ملامحه.

المؤسسة المكلية هي الأمل حين تنطفئ كل الأنوار... كما كانت تاريخيا... مع الشعب في كل المحن...

هي صمام الأمان حين تهتز الأرض تحتنا... حين يطغى من يطغى.. ويقهر ولو باسم الولاء..

الملك... خيمتنا في قيظ هذه الأيام السياسية الصعبة... 

 ننتظر منه وهو على ديدنه الحكيم أن يُعيد ترتيب هذا البيت المغربي قبل أن ينهار على رؤوس الجميع...

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Comments Rules :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الأخبار العاجلة

We use cookies to personalize content and ads , to provide social media features and to analyze our traffic...Learn More

Accept