في حادث مأساوي جديد، لقيت امرأة مصرعها اليوم في منطقة الرحمة بالدار البيضاء إثر دهسها من قبل شاحنة من نوع "رموك". هذا الحادث ليس منفردًا، بل هو أحدث فصول سلسلة مأساوية من الحوادث التي تعكس ضعف الرقابة وإجهاص تنزيل القرار الذي أصدره الوالي لتنظيم حركة هذه الشاحنات الثقيلة.
قرار كان من شأنه أن يقلل المجازر اليومية في شوارع المدينة، لكنه تم سحبه تحت ضغط لوبيات ملاكي الشاحنات الثقيلة، ليبقى المواطنون رهائن للخرق والتهور، ينتظرون الموت على الأرصفة وكأن حياتهم ليست إلا تفاصيل هامشية في دفتر الملاحظات.
منذ ديسمبر 2024، أصبحت شاحنات «الرموك» رموزًا للرعب في الدار البيضاء. في 18 ديسمبر، اصطدمت شاحنة بمحطة ترامواي «ابن تاشفين»، مخلفة ثلاثة قتلى وعددًا من الجرحى، حادث صدم المدينة وأوضح حجم الخطر، لكنه لم يكن كافيًا لتحريك السلطات نحو تنظيم حقيقي لمسارات الشاحنات. وفي 31 مايو 2025، شهد حي الحسن الثاني حادثًا آخر، حيث اصطدمت شاحنة بسبع سيارات ودراجة نارية، ما أدى إلى إصابة 15 شخصًا، اثنان منهم في حالة حرجة، لتتواصل سلسلة الرعب في أحياء المدينة المكتظة.
عين السبع لم تكن أقل مأساوية، حين انقلبت شاحنة فوق سيارات متوقفة ومارة، مسببة أضرارًا مادية جسيمة، وأرعبت سكان الحي الذين صوّروا الحادث بكاميرات هواتفهم، بينما لم يتحرك أحد لتنظيم المرور أو فرض أي قواعد صارمة على هذه المركبات.
وفي البرنوصي، دهست شاحنة دراجة نارية، ما أدى إلى وفاة سيدة وإصابة زوجها، في حادث نشرته وسائل إعلام محلية وانتشر على منصات التواصل، وأكد أن شوارع المدينة أصبحت مسرحًا مفتوحًا لشاحنات الموت.
واليوم، تأتي منطقة الرحمة لتضيف فصلاً جديدًا: امرأة أخرى تضيف حياتها إلى قائمة الضحايا، في مشهد مأساوي يعكس الفشل الذريع في تنفيذ قرار الوالي السابق.
القرار الذي أصدره الوالي امهيدية لتحديد مسارات الشاحنات الثقيلة وتنظيم زمن جولانها كان بمثابة بصيص أمل، خطوة عملية لإنقاذ أرواح المواطنين من شاحنات «الرموك» التي لا رقيب لها، لكنه تم سحبه تحت ضغط لوبي الشاحنات الثقيلة، ذلك اللوبي القوي الذي يفرض إرادته فوق القانون، ويجعل مصالح المال أولى من حياة الناس. السخرية القاتلة..
هنا تكمن في أن نفس السلطة التي أظهرت شجاعة فائقة في تنفيذ مشاريع هدم البراريك وملاحقة محتلي الملك العمومي والبحرية، تعجز عن فرض مسارات آمنة لمقطورات تهدد أرواح المواطنين يوميًا، تاركة الناس مجرد مراقبين على الأرصفة، ينتظرون فاجعة جديدة في أي لحظة.
غياب التنظيم وسحب القرار جعل المدينة ساحة مفتوحة للرعب اليومي: شاحنات الموت تتجول بلا رقيب أو حسيب، والحوادث تتكرر مثل حلقات مسلسل مأساوي: الإسعاف يأتي، الجرحى يُنقلون، التحقيق سريع، ثم تعود المدينة لصمتها، حتى تعيد الشاحنات إنتاج فاجعتها مرة أخرى. هذه الرتابة اليومية تكشف عن ازدواجية صارخة: مشاريع الهدم تُنفذ بدقة وعنف، بينما حياة المواطنين تُهمل أو تُؤجل تحت ضغط مصالح خاصة.
الأرقام لا تكذب: حادث محطة ترامواي «ابن تاشفين» في ديسمبر 2024 خلف ثلاثة قتلى، حادث حي الحسن الثاني في مايو 2025 خلف 15 إصابة، حادث البرنوصي قتل سيدة وأصاب زوجها، واليوم الرحمة تضيف ضحية جديدة.
وكل هذه الأحداث لم تحفّز تنفيذ القرار الذي كان سيحدد مسارات صارمة وأوقات عبور محددة للشاحنات الثقيلة، وتفعيل الرقابة الفعلية عليها، لضمان سلامة السكان.
الوضع الحالي يطرح سؤالًا محوريًا: هل القانون والسلطة موجودان لحماية المواطن، أم لتطبيقه على الفقراء فقط؟ هل ستستعيد السلطات جرأتها في تنفيذ القرار، أم ستظل شاحنات الموت تسرح وتمرح، تاركة المدينة في دوامة من الرعب المستمر؟ المواطنون لم يعودوا يتحملون الانتظار، وقلوبهم على الأرصفة، فيما المسؤولون يراجعون قراراتهم تحت ضغوط اللوبيات، بينما الأرواح تُهدر.
الأولوية القصوى الآن هي تنزيل القرار وتنظيم زمن جولان الشاحنات ومساراتها بشكل صارم وفوري، مع تكثيف عمليات التفتيش والصيانة، وفرض مساءلة قانونية صارمة على كل مخالفة.
المدينة ليست حلبة تجارب للشاحنات، ولا أرصفتها ساحة عرض للموت. الحياة في الدار البيضاء ليست مجالًا للمناورات السياسية أو ابتزاز اللوبيات، بل حق أساسي لكل مواطن، ويجب أن تكون حماية الأرواح أولوية لا يمكن التراجع عنها... والأغرب أن عشرات شاحنات القطر تبيت في الأزقة والأحياء دون رقيب ولا سلطة محلية تصحح الوضع، كان الأمر لا يعنيها... ويكفي القيام بجولة في عدة مناطق، لنرى كيف تحولت إلى مرابد لشاحنات القطر.
إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة، فإن كل يوم سيمثل فصلاً جديدًا من الرعب، وقرار الوالي سيظل مجرد ورقة مكتوبة على مكتب، بينما المواطنون يدفعون ثمن التردد وسحب القرار تحت ضغوط مصالح خاصة. الدار البيضاء تستحق أن تكون مدينة آمنة، بعيدة عن شاحنات الموت التي تسرح وتمرح كما تشاء، وحقوق سكانها في الحياة والسلامة يجب أن تُحترم بلا مساومة.


تعليقات
9التعليقات مغلقة.