جريدة تمغربيت|24 ساعة

هل هي بوادر ربيع البوادي المغربية: مسيرة أخرى في عمق الجبال… وأخنوش منتش بخطاب الفرح المزيف

manifestation-azilal-douars-3

 الوضع المأساوي نفسه يتناسل في القرى الجبلية المغربية، وتتسع دوائر الغضب السلمي من دوار إلى قرية، من إقليم إلى آخر. مسيرة أيت تمليل الاحتجاجية الأخيرة، للمطالبة بفك العزلة وتأهيل الطرق والخدمات، ليست سوى حلقة في سلسلة متصاعدة من الاحتجاجات التي تهز عمق المغرب.

ما يجعل هذه الصرخة مختلفة هو تزامنها مع ظروف مناخية قاسية تتكرر سنويا، لتفضح بوضوح أن الوعود الرسمية بـ"برنامج فك العزلة" لم تترجم على الأرض إلى حلول ملموسة أو مستدامة، بل بقيت حبراً على ورق في ظل حكومة أخنوش.

هذه الظاهرة ليست بجديدة. في آيت بوكماز بإقليم أزيلال، خرج السكان بمطالب متطابقة: طريق سالكة، مركز صحي، مدرسة، وتغطية للهاتف.

الرد الحكومي كان باردا ومزيفا، كقول أخنوش " زرت الحوز والكل سعيد" و" بت أيام في أيت بوكماز... المنطقة جميلة".... لكن الحقيقة المرة، أن المرضى يموتوت على الدواب، وواقع البؤس يتوسع كأنه قدر حكومي في زمن حكومات متتالية لم تراهن على تنمية العالم القروية.

وكم سارع رئيس الحكومة إلى وصف الأمر بـ"الاستغلال السياسي"، متناسيا جوهر المعاناة. وقبل ذلك، كانت قرية تغزيرت قرب مراكش نموذجا مرا للعزلة والنسيان، حيث تحول الشتاء إلى موسم للمحنة اليومية، والموت بسبب انقطاع السبل وتأخر الإغاثة.

حتى في مناطق زلزال الحوز، وبعد أكثر من عام ونصف على الكارثة، لا تزال الخيام بيوتا لأسر تشكو من بطء وإهمال برامج إعادة الإعمار. كل هذه الاحتجاجات تشترك في شعارات واحدة: البنية التحتية، الصحة، التعليم، والعدالة المجالية. إنها صرخات موحدة تنذر بأن صبر القرى قد نفد.

هذا التردد الغريب الحكومي في الاستجابة يكشف عن إخفاقات فادحة في سياسات حكومة أخنوش، يمكن تلخيصها في عدة نقاط.

أولها غياب الرؤية التنفيذية الواضحة والتأخر المختل عن استيعاب الإيقاع الملكي، حيث تتحول أوراش ملكية عظة إلى إلى برامج متعثرة بسبب سوء آليات تنفيذ  الحكومية أو عدم عقلنة الجدولة الزمنية، ويشكل سوء تنزيل الرؤية الملكية للدولة الاجتماعية، وعدم تنفيذ الورش الملكي بعقلانية وحكامة للعدالة المجالية، أهم فشل لحكومة كانت سببا في خلق مغرب  بسرعتين.

 وفي هذا السياق يسأل السكان عن المشاريع الملموسة، والجواب يكون دائما عبارة عن ميزانيات غير مرئية أو وعود مستقبلية، مع تبني المماطلة والإهمال الموسمي، حيث يصبح الشتاء كابوسا متكررا تنقطع فيه الطرق والخدمات، وتكون التدخلات الحكومية رد فعل مؤقتاً بعد فوات الأوان، وليس سياسة استباقية.

يمكن تحميل المسؤولية للمجالس المحلية  لكن دون دعم مركزي كاف، في لعبة إلقاء للتبعات تخفي عجز الحكومة المركزية. ويضل ضعف التواصل والمحاسبة، شالا للفهم الاجتماعي حيث يغيب التقييم الشفاف والمعلن، وتتعامل الحكومة وكأنها منفصلة عن واقع المواطن.

 هل نحن على أعتاب "ربيع القرى"؟ هذا المصطلح قد يكون الأقرب لوصف موجة الاحتجاجات هذه التي تبدأ محلية ثم تتسع لتتحول إلى ظاهرة وطنية.

المؤشرات تدعم هذه الفرضية، من خلال تناسل الاحتجاجات في مناطق متباعدة لكن بمطالب موحدة، ونشاط تحالفات مدنية مثل "ائتلاف الجبل" التي تضغط من أجل عدالة مجالية.

الخطر الحقيقي هو أن يستمر هذا الغضب في التصاعد في ظل غياب الحلول، ليتحول إلى أزمة سياسية تهدد شرعية الحكومة ذاتها، خاصة إذا التحم مع الاحتقان الاجتماعي الناتج عن الغلاء واتساع الفوارق.

إن إنقاذ الوضع يتطلب من حكومة أخنوش تحولا جذريا في النهج. الخطوة الأولى هي اعتماد خطة استعجالية محددة زمنيا لفك العزلة، مع جدولة واضحة لبناء الطرق وتحسين البنية التحتية، ورفع ميزانية الصندوق الوطني للحد من الفوارق المجالية مع ضمان شفافية الإنفاق.

الثانية هي إشراك الساكنة والمجالس المحلية في تحديد الأولويات ومساءلة المسؤولين بشكل دوري. الثالثة هي إقرار نظام صارم للمراقبة والتقييم، ينشر تقارير دوريةعلنية عن الإنجازات والإخفاقات. والرابعة هي وضع المناطق الجبلية والمعزولة على رأس أولويات التخطيط والموارد، ليس خطابياً فقط، بل عملياً.

ما يحدث في أيت تمليل وغيرها ليس مجرد احتجاج عابر، بل هو إنذار أخير من قلب المغرب المنسي. استمرار الحكومة في التعامل مع هذه المطالب بتهاون أو بتهميش سيساهم في تأجيج غضب لن تكون عواقبه محمودة.

على عزيز أخنوش أن يثبت أن حكومته قادرة على التنفيذ وليس الخطاب فقط، وأن يحول وعوده إلى أفعال، قبل أن يتحول غضب القرى إلى مسار لا عودة عنه.

‫
‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

121
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة تمغربيت

التعليقات مغلقة.