جريدة تمغربيت|ثقافة وفن

المزواري يكتب عن الناقد السينمائي العلواني: رمز الديونيسية في السينما المغربية

IMG-20241211-WA0009

في احتفالية مميزة، كرِّم في مدينة سطات الكاتب والناقد السينمائي مصطفى العلواني، الذي يُعتبر من أبرز الشخصيات في المشهد السينمائي المغربي. العلواني، الذي يُعرف بشغفه العميق بالسينما، لم يكن مجرد ناقد عابر، بل هو شخصية تتجلى فيها روح الديونيسية، تلك الروح التي تعبر عن الفرح والحرية والانطلاق، وفي حقه قدم سعيد المزواري الكاتب والناقد السينمائي كلمة كرم من خلالها ذ. العلواني بسطات…كلمة كرمت كلّ ما هو ديونيسيٌّ فينا… وننشر نص الكلمة القيمة التي كانت محطة عرفان بعمق إبداعي، ولحظة تشاكل جمالي ببعد قيمي إنساني… ننشرها دون تصرف، لجماليتها وقوتها وبعدها الإنساني والإبداعي.

رئيس التحرير

 بقلم : سعيد المزواري

لا أعرف من أين أبدأ مع مصطفى العلواني! فالرجل يعطيك الانطباع أنه وُلد مع السينماتوغراف أو بعده بقليل. يحكيك عن آلات عرض قديمة، وقصص يمتزج فيها السينمائي بالسياسي، وأفلام شاهدها بقاعات غابرة منذ ثمانينات القرن الماضي، وأعمال رواد شارك فيها، أو شهد تصويرها. كم هو دالٌّ أن تكون من محبّي “ألف يد ويد” سهيل بنبركة، با صطوف! أنت الهامشي حتى النّخاع بكل المعاني الجميلة والملهمة للهامش. أليست الهوامش ما تجمع الصفحات معا La marge, c’est ce qui fait tenir les pages ensemble. عل حد قولة جان ـ لوك غودار؟من لم يفهم هذا، لن يفهم كينونتك أبداً، با علوان، وسيمرّ بجانبك كما يمر بعضهم بجانب السينما رغم أنهم يدّعون أو يتظاهرون بممارستها، ولا يكاشفونها بشيء من دواخلهم. وربما في هذا نقطة قوتك وكعب أخيلك، في آن. أنك تكاشف السينما بأكثر ممّا يلزم من داخلك. عاريا من كل مثبطات الشكل أو الهندام أو العبارات المنمّقة. وليس من السهل أبداً أن تواجه السينماـ الدنيا عارياً. لهذا، ربما، تحتمي منها وراء بضعة كؤوس تقارعها قبل أن تمضي راقصاً في موكب باخوس. وأنت تجرّ وراءك مساراً متعرّجاً ومتقطّعاً، لكنه مسار يشبهك على الأقل. عندها لا يهم أن تكون قاسياً أو مجاملاً. يهمّ فقط أن تكون أنت هو أنت، وليس أحداً آخر.
من يلومونك على مبالغة في الإطراء على أفلام بعينها أو مزج علاقات شخصية بما تكتبه على فايسبوك يخطؤون الطريق بدورهم. صحيح أن هذه أشياء لا مكان لها في باب النّقد، لكن لو كنتَ نفعياً وانتهازيا مثل عديدين، لما ظللت عل باب الله، تعيش على معاشك البسيط. ولابتعت مثلهم الفيلات والسيارات الفارهة. لكن هل يمكن أن نتصور ديوجين غنيا؟ هل نتخيّل أحداً غيرك يجرؤ أن يقول لأرفع مسؤول عن السينما بالبلاد يقف أمام كوخه، تنحّ قليلاً عن شمس سينماي؟
وكم قلتها من مرة وبجميع الصيغات، آ با علوان. ولعل علاقة الشدّ والجذب التي جمعتك بالراحل الصايل أكبر شاهد على ذلك. رابطٌ يختلط فيه الاحترام بالازدراء. الحب والكره. القطيعة والوصال. علاقة صداقة حقيقية بكل اختصار. أتتذكر ما فعلته بشرفة الروكسي أثناء عرض “فيلم” محمد أشاور؟ حين دخلت القاعة مشدوا أكثر قليلاً مما يجب ـ مرة أخرى ـ بناي ديونيسوس، فأخذتك الحماسة بفيلم يعزف من نفس الألحان، وطفقت تصرخ رافعاً يديك معاً كما يفعل 404 في “هم الكلاب” بالقرب من خط السكك الحديدية، تحت نظرات “المعلّم” الحائرة. نعم! ديونيسي أنت با صطوف في عالم انتصر فيه الأبولونيون. وكم هم عقلانيون، مملّون ومهذّبون ومتوقّعون وجدّيون كل أولئك الأبولونيون با صطوف، بينما أنت غرائزي، مستمتع، غير مهذّب، منفلت، ومازح، في كل وقت وحين.
كم كتبت من كلام حادّ لكنه دائماً ينطوي عل جانب ولو ضئيل من الحقيقة. كم تسرعت في الحكم لكن دائما من منطلق حسن نية. لم تضرّ أحد يوما، ولم تكن خبيثاً، أو تحك مؤامرات بليل، كما فعل من خضت ضدهم وحدك معارك ضارية قبل أن ينفجر خبثهم في وجوهنا، وننتفض متأخّرين لمواجهتهم قبل فوات الأوان. كم كتبت من أشياء تحت جنح الظلام قبل أن يمحوها ضوء الصباح، وحين كنا نسألك عن دواعي ذلك تنفض سيجارتك، وتجيب بابتسامة جانبية ماكرة: “صافي عطات مفعولها”. من منا لم يذق من كأس هذه المزحة الطفولية “الباسلة”، وينزعج منها في الكثير من الأحيان، قبل أن يهز رأسه قائلاً: ” إيوا ما عندك مادير! هاداك هو العلواني”، كما لو أنه يتحدّث عن زخة مطر داهمته على حين غرّة.
أتذكّر جلساتنا في منزلك في نهايات الأسبوع، وكم تطربنا قصصك التي أحب إعادة الإنصات إليها، لأني لا أستمع لنفس الشيء في كل مرة. لأنك مثل صديقك الحميم، ومنبع الديونيسية الذي لا ينضب، الروبيو (كم وددت أن يحضر معنا اليوم!). كلاكما حكّاءٌ ماهر، لا يهمل التفاصيل، ويمتلك جوامع الكلم، ويتمتع بحس ذكاء عاطفي استثنائي.
لن أنسى يوم عدتُ من المهرجان الوطني مستاء لتتويج فيلم لم أحبّه بالجائزة الكبرى. وحين سألتني عن السبب، نشأت أحلل كعادتي مقاربته السردية المتكئة بإسراف على القصة، وأفصل في مسرحية اختياراته… عندما انتهيت، أطرقتَ قليلاً قبل أن تجرّ نفساً من سيجارتك، وتوجز كلّ شيء في عبارة واحدة: “هي قول فيلم خُبّيري وصافي!”.
نعم با صطوف! وكلّنا نبدو “خُبّيريين” أمام أصالة شكلك، ومجازفتك في اختيارات الحياة، وحس تجريبك الذي يؤدي بك للانزلاق أحياناً، كما حدث قبل بضعة أسابيع. كم آلمتني هذه الحادثة، لأني أعرف أنك من صنف المشّائين مثلي، وربما أكثر مما أطيق. أعرف أنك يمكن أن تقطع نصف الدار البيضاء مشياً لتلقي الوداع عل رفيق أخذته المنون، وكأنك مثل ما كتبه فيرنر هرتزوغ في مؤلفه “المشي على الثّلج”، تعتقد أنه سيظلّ حياً ما دمت تمشي نحوه.
اليوم، لن نذهب مشياً إلى سطات كما يليق بك، با علوان، لكنّنا سنكرّمك بكلّ جوارحنا. اليوم نمشي فرحين وراءك في موكب ديونيسي، ومن ثم نقارع كؤوساً من نبلك وأصالتك. اليوم نرقص ولو على رجل واحدة لنقول لك “لا تُغيّر شيئاً، نحبّك كما أنت”.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

1
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة تمغربيت